تشهد العلاقات بين أنقرة ومقديشو مرحلة جديدة من التوسع الاستراتيجي، تتقاطع فيها المصالح العسكرية مع رهانات الطاقة، في مشهد يعكس انتقال الشراكة بين البلدين من إطار الدعم التنموي والأمني إلى مستوى أعمق من الحضور الجيوسياسي المباشر في القرن الإفريقي.
في هذا السياق، أرسلت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية سفينة الحفر في أعماق البحار إلى السواحل الصومالية في أول مهمة تنقيب خارج نطاقها البحري السيادي، في خطوة وُصفت بأنها تحول نوعي في استراتيجية أنقرة الطاقوية الخارجية.
أول مهمة تنقيب خارج المياه التركية
السفينة “تشاغري بيه” انطلقت من ميناء طاشوجو في ولاية مرسين جنوبي تركيا، متجهة إلى البئر المعروفة باسم “كوراد-1” قبالة السواحل الصومالية، حيث يُنتظر أن تبدأ عمليات الحفر في شهر أبريل المقبل، بعد رحلة بحرية يُتوقع أن تستغرق نحو خمسة وأربعين يومًا.
حفل توديع السفينة حضره الرئيس رجب طيب أردوغان، في إشارة سياسية واضحة إلى الأهمية التي توليها أنقرة لهذه الخطوة. كما أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية ألب أرسلان بيرقدار أن السفينة ستصل إلى المياه الصومالية تحت حماية ثلاث قطع بحرية تابعة للبحرية التركية، ما يعكس الطابع الاستراتيجي والأمني للمهمة.
تعزيز الحضور العسكري: طائرات مقاتلة ودبابات
بالتوازي مع التحرك الطاقوي، برزت مؤشرات على توسع عسكري تركي في الصومال. فقد أفادت تقارير بوصول طائرات مقاتلة من طراز إف-16 إلى العاصمة مقديشو في أواخر يناير، في خطوة لافتة ضمن سياق إعادة تموضع عسكري تركي في المنطقة.
كما تداولت وسائل إعلام صومالية مشاهد تُظهر وصول دبابات يُعتقد أنها موردة من تركيا إلى ميناء مقديشو، قبل أن تُرصد وهي تتحرك داخل العاصمة. هذا التطور يعزز الانطباع بأن أنقرة لا تكتفي بالدعم التدريبي، بل تمضي نحو دعم عسكري مباشر يعزز قدرات الدولة الصومالية في مواجهة التحديات الأمنية.
جذور الشراكة: من الإغاثة إلى الشراكة الاستراتيجية
يعود الانخراط التركي المكثف في الصومال إلى عام 2011، حين زار أردوغان البلاد خلال أزمة المجاعة، في زيارة شكلت نقطة تحول في العلاقات الثنائية. منذ ذلك الحين، وسّعت أنقرة حضورها الإنساني والدبلوماسي والتجاري، قبل أن تفتتح لاحقًا أكبر منشأة تدريب عسكري خارج أراضيها في مقديشو، المعروفة باسم قاعدة تركسوم.
ومن خلال هذه القاعدة، درّبت تركيا آلاف الجنود الصوماليين، دعمًا للحكومة في حربها ضد حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي ما تزال تمثل التحدي الأمني الأبرز أمام استقرار البلاد.
تقاطع المصالح مع التوترات الإقليمية
التوسع التركي في الصومال لا يُقرأ فقط من زاوية التعاون الثنائي، بل يتقاطع مع تحولات إقليمية حساسة. فوفق تقديرات محللين، فإن نشر الطائرات المقاتلة التركية في مقديشو يحمل بعدًا ردعيًا، خاصة بعد اعتراف إسرائيل في ديسمبر بإقليم أرض الصومال ككيان منفصل، وهو إقليم أعلن انفصاله من جانب واحد عن الصومال في الشمال.
هذا التطور أضاف بعدًا جديدًا للتنافس غير المباشر بين أنقرة وتل أبيب في القرن الإفريقي، حيث ترى تركيا في وحدة الأراضي الصومالية عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها الإقليمية، بينما يُنظر إلى الاعتراف الإسرائيلي باعتباره خطوة تمس توازنات النفوذ في المنطقة.
أبعاد استراتيجية أوسع
يأتي إرسال سفينة الحفر تحت حماية عسكرية، متزامنًا مع تعزيز الحضور الجوي والبري، ليؤكد أن أنقرة تتعامل مع الصومال كساحة استراتيجية متكاملة، تجمع بين الاستثمار في الطاقة، وتأمين المصالح الاقتصادية، وترسيخ الشراكة الأمنية طويلة الأمد.
كما أن انخراط تركيا في التنقيب البحري قبالة السواحل الصومالية يعكس رغبة في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الخارج، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على الموارد في شرق إفريقيا والمحيط الهندي.
خلاصة
التحرك التركي الأخير في الصومال يجمع بين التنقيب البحري والحضور العسكري المتنامي، في إطار استراتيجية توسعية متعددة الأبعاد. إنه انتقال من دعم الحلفاء إلى تثبيت نفوذ جيوسياسي مباشر في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا حساسية.

