في أحدث تقارير مؤشر الإسلامية لعام 2024، الصادر عن مؤسسة “Islamicity Foundation” الأميركية، تراجعت تركيا إلى المرتبة109 من أصل 149 دولة، في استمرار لمنحى انحداري بدأ قبل عقد من الزمن.
يأتي هذا التراجع نتيجة تدهور في أداء البلاد في مجالات الحوكمة والعدالة والاقتصاد، وهي المعايير التي يستند إليها المؤشر لتقييم مدى التزام الدول بالقيم الإسلامية الجوهرية، بعيدًا عن المظاهر الشعائرية.
في عام 2015، كانت تركيا تحتل المرتبة 65، إلا أن تدهورها المتسارع أوصلها إلى المرتبة 100 في 2022، واليوم، إلى 109. وبذلك تتراجع تركيا خلف دول مثل ماليزيا (41)، وإندونيسيا (5)، وألبانيا (44)، وكازاخستان (68)، وهو ما يعكس أزمة هيكلية في مؤسساتها.
المؤشر: تقييم لقيم الإسلام الجوهرية لا الشعائرية
تم تطوير مؤشر “الإسلامية” بهدف قياس مدى تطابق الدول مع المبادئ الإسلامية الأساسية، التي تشمل الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وحقوق الإنسان والحريات السياسية، والالتزام بالقيم العادلة في العلاقات الدولية.
ويُطبق المؤشر على الدول المسلمة وغير المسلمة على حد سواء، لتحديد مدى اقترابها من هذه القيم التي تمثل جوهر الرؤية الإسلامية للحكم والمجتمع.
أسباب التراجع التركي: حكم الفرد وتدهور الحقوق
يرى مؤسس المؤشر، البروفيسور حسين عسكري، أن تركيا كانت في مطلع العقد الماضي نموذجًا واعدًا للإصلاح في العالم الإسلامي، إلى جانب ماليزيا. لكن، بحسب تصريحه لموقع Turkish Minute، فإن تركيا أصبحت “خيبة أمل كبرى”، ويرى أن إندونيسيا اليوم أضحت بديلًا إصلاحيًا معززًا لمكانتها.
وأشار عسكري إلى أن الانحدار التركي يعود إلى التآكل المستمر في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتدهور الاقتصاد وارتفاع التضخم الذي وصل إلى نحو 35%، وسط أزمة معيشية خانقة. ويتهم منتقدو الرئيس رجب طيب أردوغان، وحزبه الحاكم “العدالة والتنمية”، بتقويض استقلالية المؤسسات، وتكريس الحكم الفردي، وسحق المعارضة، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
مؤشر 2024: تراجع عالمي في معايير الحكم الرشيد
لم تكن تركيا وحدها في مسار التراجع، إذ سجلت دول عديدة انحدارات مماثلة، حيث تراجعت الولايات المتحدة من المرتبة 29 إلى 39، وتدهورت إسرائيل من 27 إلى 57، وانخفضت السعودية من 90 إلى 100، وتراجعت تونس، التي كانت تُعتبر مثالًا للنجاح بعد “الربيع العربي”، إلى المرتبة 88.
ويعزو عسكري هذه التراجعات إلى تراجع المعايير الديمقراطية وتزايد النزعات السلطوية وسياسات الاقتصاد الحمائي، إضافة إلى تفاقم التوترات في العلاقات الدولية.
الدول الأعلى والأدنى تصنيفًا
في قائمة الدول الأكثر التزامًا بالقيم الإسلامية، حلت أيرلندا في المرتبة الأولى، تلتها آيسلندا، ونيوزيلندا، والدنمارك، وهولندا، بينما جاءت الدول الأضعف أداءً سوريا، والسودان، وأفغانستان، وتشاد، والكونغو الديمقراطية، وهي الدول ذاتها التي احتلت المراتب الأخيرة في 2022.
دعوة إلى الإصلاح واستعادة البوصلة الأخلاقية
أكد مؤسسو المؤشر أن هذه التصنيفات تهدف إلى تسليط الضوء على مواقع النجاح والإخفاق، تمهيدًا لبناء برامج إصلاحية حقيقية في الدول الإسلامية. ويرى عسكري أن الفهم الصحيح لقيم الإسلام كمنظومة حاكمة، لا شعائر دينية فقط، هو حجر الأساس للنهوض السياسي والاجتماعي في البلدان ذات الغالبية المسلمة.
تطورات سياقية ذات صلة (2025)
تستمر الانتقادات المحلية والدولية للسلطات التركية بسبب تصاعد الاعتقالات السياسية وتضييق الحريات الإعلامية، إذ لا تزال تشهد تركيا محاولات قضائية لإبطال نتائج الانتخابات الداخلية الأخيرة لتغيير زعامة حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، مما يضع الحكومة أمام اتهامات باستخدام القضاء والأمن لإضعاف المعارضة.
في حين تؤكد منظمات حقوق الإنسان، كهيومن رايتس ووتش، استمرار التراجع في مؤشرات حرية التعبير وسلامة المحاكمات، لم تفلح بعدُ السياسات الاقتصادية الجديدة التي تبنتها الحكومة منذ بداية 2025 في كبح التضخم أو تحسين العدالة الضريبية.

