بادرت السلطات التركية إلى نفي قاطع لما تم تداوله في وسائل إعلام دولية ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن تهديد مزعوم للرئيس رجب طيب أردوغان بغزو إسرائيل. وأكد مركز مكافحة التضليل الإعلامي أن هذه الادعاءات “لا تستند إلى أي أساس من الصحة”، ووصفها بأنها محاولة لتشويه الموقف التركي وتقويض الاستقرار الإقليمي.
وأوضح المركز، في بيان رسمي، أن التصريحات المنسوبة إلى أردوغان جرى اجتزاؤها أو تحريفها، وأنها لا تعكس السياسة الحقيقية لتركيا، التي تضع في صلب أولوياتها وقف نزيف الدم، وحماية المدنيين، والعمل من أجل سلام دائم في المنطقة.
جذور الجدل: تقرير إعلامي ومقطع قديم
تعود بداية الجدل إلى تقرير نشرته صحيفة The Telegraph، زعمت فيه أن أردوغان لمح إلى إمكانية تدخل عسكري ضد إسرائيل على خلفية تطورات لبنان، مستندة إلى تصريحات قيل إنه أشار فيها إلى سوابق تدخل تركي في كل من ليبيا وناغورنو كاراباخ.
غير أن المقطع المصوّر الذي انتشر على نطاق واسع تبيّن لاحقاً أنه يعود إلى خطاب ألقاه أردوغان في 28 يوليو/تموز 2024 خلال فعالية حزبية في مدينة ريزة على البحر الأسود، ما يضع سياق التصريحات خارج الإطار الذي تم تداوله.
وفي تطور لافت، أعلن الصحفي بول نوكي، المحرر المختص بالأمن الصحي العالمي في الصحيفة، سحب التقرير، مشيراً إلى أن الاقتباسات “قد تكون قديمة أو غير دقيقة”، مقدماً اعتذاراً علنياً.
اتهامات بالتضليل ومحاولات لجرّ تركيا إلى الصراع
لم يقتصر النفي التركي على هذه النقطة، بل شمل أيضاً ادعاءات أخرى زعمت أن أنقرة تعتبر أي هجوم على إيران أو لبنان بمثابة هجوم عليها. واعتبر المركز هذه الروايات جزءاً من محتوى “مُضلل” يهدف إلى خلق انطباعات زائفة ودفع تركيا نحو الانخراط في صراعات إقليمية.
وأكدت أنقرة أن سياستها الراهنة تقوم على تجنب التصعيد والدعوة إلى التهدئة، رغم حدة الخطاب السياسي في بعض الأحيان.
حرب إقليمية وسياق متفجر
يأتي هذا السجال في ظل تصاعد غير مسبوق في التوترات الإقليمية، حيث اندلع صراع واسع في الشرق الأوسط في 28 فبراير/شباط، إثر ضربات جوية مكثفة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية عسكرية وحكومية. وردت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت إسرائيل ومصالح أمريكية في المنطقة.
وبعد أسابيع من التصعيد، تم الإعلان عن وقف لإطلاق النار في 7 أبريل/نيسان، إلا أن هشاشة الاتفاق تظل قائمة وسط مخاوف من انهياره في أي لحظة.
في هذا السياق، تحاول تركيا الحفاظ على موقع متوازن، داعية جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية وتغليب الحلول الدبلوماسية، دون الانخراط المباشر في المواجهة.
تصعيد لفظي بين أنقرة وتل أبيب
بالتوازي مع هذه التطورات، تصاعدت حدة التراشق الكلامي بين المسؤولين الأتراك والإسرائيليين. فقد وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتقادات لاذعة لأردوغان، متهماً إياه بدعم أطراف معادية وإطلاق تصريحات تصعيدية، خاصة فيما يتعلق باتفاق التهدئة بين واشنطن وطهران.
في المقابل، كان أردوغان قد حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من “استفزازات محتملة وأعمال تخريب” قد تهدد الاتفاق، دون تحديد الجهات التي قد تقف وراءها.
كما صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من لهجته، واصفاً أردوغان بـ”نمر من ورق”، ومتهماً إياه بازدواجية الخطاب.
وردت وزارة الخارجية التركية بإدانة تصريحات نتنياهو، معتبرة أنها محاولة لتقويض جهود السلام، ومشيرة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه ضغوطاً قانونية دولية على خلفية العمليات في غزة.
الدور التركي بين الخطاب والممارسة
رغم الانتقادات الحادة التي يوجهها أردوغان لإسرائيل، خاصة منذ اندلاع حرب غزة عقب هجوم حركة حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن أنقرة شاركت في مساعٍ دبلوماسية لوقف إطلاق النار، بالتنسيق مع دول مثل مصر وباكستان.
غير أن هذا الموقف لم يخلُ من انتقادات، إذ اتهمت أطراف داخلية وخارجية الحكومة التركية بعدم ترجمة خطابها السياسي إلى إجراءات ملموسة، خصوصاً في ظل استمرار بعض أشكال التبادل التجاري مع إسرائيل خلال الحرب، التي أودت بحياة أكثر من 75 ألف شخص في غزة.
صراع الروايات في زمن الأزمات
تعكس هذه الحادثة طبيعة المرحلة الراهنة، حيث تتداخل الحرب العسكرية مع حرب موازية على مستوى المعلومات والروايات. فالتصريحات المجتزأة أو المؤولة قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسي، أو وسائل لإعادة تشكيل مواقف الدول في أعين الرأي العام الدولي.
كما تكشف عن حساسية موقع تركيا، التي تحاول المناورة بين خطاب سياسي حاد ومصالح استراتيجية معقدة، في بيئة إقليمية مشحونة بالتوترات والتحالفات المتغيرة.

