في خضم التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وجدت أنقرة نفسها مضطرة للرد على موجة من المزاعم التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وتحدثت عن استهداف قاعدة عسكرية أميركية داخل الأراضي التركية، إضافة إلى إزالة عشرات الآلاف من الألغام على الحدود مع إيران.
الرد الرسمي جاء حاسماً، في محاولة لاحتواء ما تصفه الحكومة بحرب معلومات موازية للحرب العسكرية.
نفي قاطع: لا قواعد أجنبية خارج السيادة التركية
أعلنت رئاسة دائرة الاتصال في تركيا عبر مركز مكافحة التضليل التابع لها أن الادعاءات بشأن استهداف قاعدة أميركية في تركيا «لا أساس لها من الصحة»، مؤكدة أنه لا توجد في البلاد قواعد عسكرية مملوكة لأي دولة أجنبية.
البيان شدد على أن المجال الجوي والأراضي والمياه الإقليمية والمنشآت العسكرية التركية تخضع بالكامل للسيادة الوطنية، وأن أي منشأة عسكرية على الأراضي التركية تعمل ضمن إطار قانوني تركي وتحت إشراف الدولة. كما أكد أن تركيا لم تتعرض لأي هجوم، وأن تصويرها كطرف في المواجهات الإقليمية يهدف إلى تضليل الرأي العام.
هذا التوضيح يأتي في وقت حساس، إذ أطلقت إيران منذ اندلاع المواجهة موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، واستهدفت كذلك العراق والأردن ودول الخليج الست في مسعى لضرب أصول ومواقع مرتبطة بالولايات المتحدة. ورغم انتشار منشآت ذات أهمية استراتيجية داخل تركيا، فإن أنقرة لم تكن ضمن بنك الأهداف الإيرانية حتى الآن.
إنجرليك وكوريجيك: حساسية الجغرافيا الأطلسية
من بين المواقع التي أثيرت حولها تكهنات، قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة، التي تُستخدم منذ عقود في مهام مشتركة بين تركيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، إضافة إلى موقع كوريجيك في وسط الأناضول، الذي يضم نظام رادار إنذار مبكر تابعاً للناتو قادر على رصد إطلاق الصواريخ الباليستية من إيران.
ورغم أن أنقرة نفت مراراً استخدام بيانات الرادار لدعم أي عمليات إسرائيلية، فإن وجود هذه المنظومات أثار قلقاً متكرراً لدى طهران في أوقات التوتر. غير أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي تشكل في الوقت ذاته مظلة ردع تجعل استهداف أراضيها خطوة محفوفة بمخاطر تصعيدية كبيرة بالنسبة لأي طرف.
في هذا السياق، تبدو الرسالة التركية مزدوجة: تأكيد السيادة الوطنية من جهة، وتطمين الداخل بأن البلاد ليست منخرطة عسكرياً في المواجهة من جهة أخرى.
رواية الألغام: بين الالتزامات الدولية وأمن الحدود
المزاعم الثانية التي جرى نفيها تعلقت بإزالة ثمانين ألف لغم أرضي على الحدود التركية-الإيرانية. مركز مكافحة التضليل وصف هذه الادعاءات بأنها «تلاعب متعمد»، موضحاً أن أعمال إزالة الألغام تُنفذ وفق خطط مدروسة وضمن التزامات تركيا الدولية، وتهدف إلى تعزيز أمن الحدود لا إضعافه.
الحدود البرية بين تركيا وإيران تمتد لنحو خمسمئة وأربعة وثلاثين كيلومتراً، وهي واحدة من أكثر المناطق حساسية في المشهد الأمني الإقليمي. وتؤكد السلطات أن تأمينها يجري على مدار الساعة عبر جدران إسمنتية، وأنظمة مراقبة متقدمة، وطائرات مسيّرة، وإجراءات أمنية متعددة الطبقات.
إثارة ملف الألغام في هذا التوقيت تعكس، وفق مراقبين، تصاعد القلق الشعبي من احتمال تدفق موجات لجوء جديدة إذا ما اتسع نطاق الصراع داخل إيران. فتركيا، التي تستضيف بالفعل ملايين اللاجئين من جنسيات مختلفة، تواجه نقاشاً داخلياً حاداً حول قدرة الدولة على استيعاب أي موجة نزوح إضافية.
حرب معلومات موازية للحرب العسكرية
تأتي هذه الشائعات في سياق إقليمي مضطرب تتداخل فيه العمليات العسكرية مع المعارك الرقمية. ومع كل ضربة صاروخية أو هجوم بطائرة مسيّرة، تتضاعف روايات غير موثقة تسعى إلى جرّ دول جديدة إلى دائرة الصراع أو تصويرها كأطراف منخرطة فيه.
بالنسبة لأنقرة، يمثل احتواء هذا النوع من الأخبار أولوية لا تقل أهمية عن الجاهزية الأمنية. فالحديث عن استهداف قاعدة أميركية داخل تركيا أو إزالة واسعة للألغام قد يثير مخاوف اقتصادية وأمنية، ويؤثر في الأسواق والرأي العام، ويزيد من حساسية العلاقة مع إيران في لحظة دقيقة.
يقظة أمنية ورسائل تطمين
البيان الرسمي أكد أن مؤسسات الدفاع والأمن التركية تعمل بكامل طاقتها، وتتابع التطورات لحظة بلحظة، داعياً المواطنين إلى الاعتماد على التصريحات الرسمية فقط. هذه الصيغة تعكس إدراكاً بأن الاستقرار الداخلي يتطلب وضوحاً في الرسائل، خاصة عندما تتقاطع الجغرافيا التركية مع مسارات صراع إقليمي واسع.
في المحصلة، تسعى أنقرة إلى تثبيت معادلة دقيقة: عدم الانخراط في الحرب، الحفاظ على التزاماتها الأطلسية، ومنع أي اختراق أمني أو سياسي لحدودها الشرقية، في وقت تتزايد فيه احتمالات سوء الحسابات في المنطقة.
الخلاصة
أنقرة تنفي مزاعم استهداف قواعد أميركية أو إزالة واسعة للألغام، مؤكدة سيادتها الكاملة ويقظتها الأمنية. في ظل حرب إقليمية متسعة، تخوض تركيا معركة موازية ضد الشائعات لحماية استقرارها الداخلي وموقعها الحساس في معادلة الصراع.

