فرضت السلطات التركية طوقًا أمنيًا مشددًا حول محيط القنصلية الإيرانية في إسطنبول، ومنعت مواطنين إيرانيين من تنظيم وقفة احتجاجية أمام المبنى، حيث انتشرت قوات الشرطة وأُغلقت المنطقة بالكامل، ما حال دون وصول المتظاهرين إلى محيط القنصلية.
وجاء هذا الإجراء في وقت كانت فيه مجموعات من الإيرانيين المقيمين والمنفيين في تركيا قد تجمعت رغم الأمطار المتواصلة، في محاولة للتعبير عن تضامنها مع الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها إيران منذ أسابيع.
احتجاجات داخلية تهز إيران وتتحول إلى حركة أوسع
تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر موجة احتجاجات غير مسبوقة امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد، بدأت على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تتطور سريعًا إلى حراك سياسي أوسع يطعن بشرعية النظام الديني القائم منذ ثورة عام 1979.
ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، باتت المطالب تتجاوز الشأن المعيشي لتشمل الدعوة إلى تغيير سياسي جذري، في ظل تصاعد العنف وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
إيرانيون في المنفى: انقطاع تام عن الداخل وخوف على العائلات
في إسطنبول، عبّرت نينا، وهي شابة إيرانية تعيش في المنفى، عن قلقها العميق من انقطاع الأخبار كليًا عن إيران، مشيرة إلى أن الاتصالات مع العائلات داخل البلاد توقفت تمامًا، في ظل غياب الإنترنت والبث التلفزيوني.
وقد بدت على وجهها ملامح رمزية للاحتجاج، إذ رفعت العلم الإيراني القديم ورسمت دموعًا حمراء، في إشارة إلى ما وصفته بعمليات قتل عشوائية لا تميّز بين مدنيين راجلين أو عائلات داخل سياراتهم، ولا تستثني الأطفال.
تركيا بين الجغرافيا السياسية والقيود الداخلية
تربط تركيا بإيران حدود برية طويلة وعدة معابر رسمية، كما تستضيف عشرات الآلاف من الإيرانيين الحاصلين على تصاريح إقامة، إلى جانب آلاف اللاجئين. ورغم هذا الوجود، يواجه الإيرانيون قيودًا صارمة على تنظيم الاحتجاجات داخل الأراضي التركية.
ويعكس هذا المنع حساسية أنقرة تجاه أي نشاط احتجاجي ذي طابع سياسي خارجي، لا سيما حين يتعلق بدولة جارة، في وقت تؤكد فيه الحكومة التركية باستمرار التزامها بضبط الفضاء العام ومنع أي تجمعات غير مرخصة.
أصوات منفية وانتقادات لسياسة منع التظاهر
عبّر أمير حسين، وهو مغنٍ إيراني يعيش في المنفى بتركيا منذ سنوات طويلة، عن خيبة أمله من منع الاحتجاج، معتبرًا أن حرية التظاهر من أجل الديمقراطية مكفولة في دول عديدة، لكنها تبقى شبه مستحيلة داخل تركيا.
ووجّه حسين نداءً إلى المجتمع الدولي للتدخل إزاء ما يجري داخل إيران، واصفًا النظام الإيراني بأنه نظام “غير طبيعي” يعتمد القتل وسيلة لإسكات معارضيه، معربًا عن ثقته بأن الحراك الحالي سينتهي بانتصار المحتجين.
الخلاف داخل صفوف المعارضين: قيادة ومستقبل النظام
رغم وحدة الغضب تجاه النظام الإيراني، برزت تباينات واضحة بين المتظاهرين في الخارج حول شكل البديل السياسي. فقد شدد أمير حسين على وجود قيادة للحراك، مشيرًا إلى رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الذي لعب دورًا بارزًا في دعم الاحتجاجات من الخارج.
في المقابل، رفض محتجون آخرون هذا الطرح، حيث أكد مهدي، وهو مهندس إيراني منفي، أن مطلب المحتجين يتمثل في إقامة نظام ديمقراطي جمهوري، لا العودة إلى الملكية، معتبرًا أن بهلوي غير قادر على توحيد الشارع الإيراني المتنوع.
وقد تجسد هذا الانقسام رمزيًا عندما رفعت إحدى المتظاهرات العلم الإيراني السابق الذي يحمل شعار الأسد والشمس، في حين تمسك آخرون بشعارات تؤكد رفضهم لأي صيغة حكم ملكي.
حصيلة دامية وتصاعد الضغوط الدولية
تشير التقديرات الحقوقية إلى سقوط عدد كبير من القتلى منذ انطلاق الاحتجاجات، فيما يُعد أوسع حركة مناهضة للنظام الإيراني منذ سنوات، ما يعزز الضغوط السياسية والدبلوماسية على طهران، ويعيد ملف حقوق الإنسان إلى صدارة الاهتمام الدولي.
في هذا السياق، تتواصل محاولات الجاليات الإيرانية في الخارج لكسر العزلة المفروضة على الداخل الإيراني، رغم القيود الأمنية والاختلافات السياسية في بلدان اللجوء.

