في تطور لافت يعيد قضية الصراع الكردي إلى واجهة السياسة التركية، أعلنت أحزاب من مختلف الطيف السياسي تشكيل لجنة برلمانية جديدة مكلفة ببحث سبل إنهاء النزاع المسلح مع حزب العمال الكردستاني وتوفير أرضية للانتقال نحو تسوية سياسية وقانونية شاملة.
اللجنة، التي تتألف من 51 عضواً، ستبدأ أعمالها في أغسطس المقبل، وسط تباين في المواقف الحزبية بين الترحيب والمقاطعة.
لجنة برلمانية بصيغة جديدة: خطوة نحو تسوية محتملة
تشكّلت اللجنة بمبادرة من رئيس البرلمان نعمان كورتولموش، الذي وجه دعوات رسمية للأحزاب لترشيح أعضائها قبل نهاية شهر تموز/يوليو. تضم اللجنة نواباً من أحزاب متعددة، وتتمثل مهمتها في بلورة رؤية شاملة لإنهاء النزاع المسلح مع حزب العمال الكردستاني وتوفير آليات اندماج قانوني وسياسي لأفراده.
يُعد هذا التحرك أول خطوة مؤسسية رسمية بهذا المستوى منذ انهيار مفاوضات السلام في عام 2015، ويأتي بالتزامن مع تحركات ميدانية رمزية ورسائل تهدئة من جانب الحزب المسلح.
حزب الشعب الجمهوري ينضم بشروط: “غيابنا هو الخطر الحقيقي“
أكد زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزجور أوزيل، مشاركة حزبه في اللجنة، مشيراً إلى أنه سيتم تمثيل الحزب بعشرة نواب. وجاء تصريح أوزيل عقب زيارته لعمدة إسطنبول المسجون أكرم إمام أوغلو في سجن مرمرة بسيلفري، في خطوة فسّرها البعض على أنها محاولة لتوحيد الصف المعارض خلف أجندة المصالحة السياسية.
وأوضح أوزيل أن رئيس البرلمان قدم ضمانات بأن التصويت داخل اللجنة سيتم على أساس “الأغلبية المؤهلة” وليس “الأغلبية البسيطة”، ما يحول دون هيمنة حزب العدالة والتنمية وتحالفه مع حزب الحركة القومية، الذين يمتلكان مجتمعَين 25 مقعداً في اللجنة.
قال أوزيل: “لن يقبل حزب الشعب الجمهوري بأن تُتخذ قرارات بأغلبية بسيطة. مشاركتنا هي ضمانة للنزاهة والشفافية”، وأضاف: “لا ينبغي لأحد أن يخشى لجنة يشارك فيها حزبنا، بل يجب أن يخافوا من لجنة لا نكون جزءاً منها“.
التمثيل الحزبي في اللجنة: تنوّع سياسي واسع باستثناء القوميين الجدد
تشمل تركيبة اللجنة البرلمانية الجديدة 21 نائباً من حزب العدالة والتنمية، و10 من حزب الشعب الجمهوري، وأربعة من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، وأربعة من حزب الحركة القومية، وثلاثة من حزب “الخير“، وثلاثة من حزب “يني يول” اليساري، بالإضافة إلى ممثل واحد من أحزاب صغيرة مثل “هدى بار”، “الرفاه من جديد”، “حزب العمال”، “حزب العمل”، “الحزب اليساري الديمقراطي” و”الحزب الديمقراطي“.
وأكدت النائبة عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، غوليستان قليش كوتشييت، أنها ستكون واحدة من ممثلي الحزب الأربعة في اللجنة، بينما صادق زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي على قائمة حزبه الأسبوع الماضي.
حزب “الخير” يرفض المشاركة خشية شرعنة الكردستاني
في المقابل، أعلن حزب “الخير” رفضه الانضمام إلى اللجنة، وصرّح زعيمه موسافات درويش أوغلو أن اللجنة تفتقر للوضوح القانوني وأنها “تخدم شرعنة مطالب حزب العمال الكردستاني”، مؤكداً تحفظه الشديد على المسار المقترح. كما شكك في الأسس القانونية لتشكيل اللجنة البرلمانية.
مشهد ميداني متغير: إحراق رمزي للسلاح ورسائل من أوجلان
تأتي هذه المبادرة البرلمانية بعد تطورات ميدانية رمزية أثارت اهتماماً واسعاً. ففي 11 تموز/يوليو، ظهر 30 مقاتلاً من حزب العمال الكردستاني في مراسم علنية بمدينة السليمانية شمال العراق، حيث قاموا بحرق أسلحتهم في بادرة “سلام”، استجابةً لدعوة صدرت في فبراير عن الزعيم المسجون عبد الله أوجلان، الذي طالب الحزب بالتخلي عن الكفاح المسلح والسير في طريق ديمقراطي.
وبحسب تقارير، فإن الحكومة التركية باشرت بالفعل محادثات غير معلنة وإجراءات قانونية تمهيدية تهدف إلى إدماج عناصر الحزب ضمن أطر سياسية وقانونية، دون المساس بالثوابت الأمنية للدولة.
تحديات المرحلة المقبلة: التسوية السياسية بين الأمل والشك
رغم الانفتاح الملحوظ في بعض الأوساط السياسية، إلا أن التشكيك في جدوى اللجنة لا يزال حاضراً، خصوصاً من قبل تيارات يمينية وقطاعات من الرأي العام ترى أن أية تسوية يجب أن تتم وفق “شروط الدولة” دون منح امتيازات سياسية. ومع ذلك، يعتبر مراقبون أن هذه اللجنة، بحجم تمثيلها وآليتها المؤسسية، قد تكون أول مسار حوار رسمي ومنظم بين الدولة والمكوّن الكردي منذ تسع سنوات.

