تواصل تركيا خلال العام الجاري توسيع نطاق عمليات استرداد ممتلكاتها الثقافية، إذ أعلنت وزارة الثقافة والسياحة عن استرجاع مئة وعشر قطع أثرية منذ بداية العام، لترتفع بذلك حصيلة ما استعادته الدولة منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى ستة وعشرين ألفاً وسبعمئة وواحدٍ وستين قطعة. ويعكس هذا التراكم تصاعداً منهجياً في عمل المؤسسات المختصة، خاصة مع تكثيف التعاون الدولي ومتابعة مسارات التهريب عبر دور المزادات العالمية.
شبكة استعادة عابرة للحدود
تكشف بيانات الوزارة عن تنفيذ مئة وتسعٍ وستين عملية استرداد في تسع عشرة دولة خلال العقود الخمسة الماضية، حيث برزت ألمانيا في صدارة الجهات التي أعادت أكبر عدد من القطع المنهوبة، تليها دول أوروبية عدة والولايات المتحدة وصربيا. ويستند هذا النجاح إلى دور محوري للإدارة العامة لمكافحة التهريب الثقافي، التي تمزج بين البحث في الأصول التاريخية للقطع وتعقبها في أسواق الفن العالمية، إضافة إلى تعاون قضائي وأمني متنامٍ.
تسارع وتيرة الاسترجاع خلال العقدين الأخيرين
تشير الأرقام الرسمية إلى أن أكثر من ثلاثة عشر ألف قطعة أعيدت بين عامي ألفين واثنين وألفين وخمسة وعشرين، في مؤشر على زخم جديد يميز السياسة الثقافية التركية. وشهد عام ألفين وأربعةٍ وعشرين ذروة لافتة باستعادة ما يزيد على ألف ومئة قطعة، شكلت دفعة قوية لاستمرار العمليات في العام اللاحق.
نماذج بارزة من القطع المستعادة عام 2025
تمكنت السلطات من استعادة بلاطة سداسية تعود إلى القرن السادس عشر، كانت قد سُرقت من مسجد أولو في أضنة مطلع الألفية. ظهرت في دار مزادات بريطانية قبل أن تُحوّل إلى متحف الإثنوغرافيا في أنقرة، لتستعيد موضعها داخل الذاكرة المعمارية العثمانية.
تمثال الإمبراطور ماركوس أوريليوس وعملات العصر الروماني
أعادت الولايات المتحدة تمثالاً برونزياً نادراً للإمبراطور ماركوس أوريليوس، كان محفوظاً في متحف كليفلاند للفنون قبل تتبع أصلِه إلى مدينة بوبون الأثرية في بوردور. كما سلّمت ثلاثاً وثمانين عملة رومانية ضُربت في عهود ماكسيميانوس، وقسطنطين الأول، وقسطنطين الثاني، وأركاديوس.
مخطوط “شرح الأسماء” ومبادرة فردية بارزة
عاد إلى تركيا مخطوط نادر عمره أكثر من سبعة قرون، بعدما سُرق من مكتبة يوسف آغا في قونية قبل ربع قرن. وقد أُعيد ببادرة شخصية من نِظام محمد صالح يعقوبي، رئيس الهيئة الشرعية في أحد المصارف البحرينية، ما يعكس انخراطاً مجتمعياً في حماية التراث الإسلامي.
ممتلكات شخصية أعيدت طوعاً من كندا
أعاد مواطن كندي مجموعة من الفخاريات الأناضولية ورثها عن أحد أفراد عائلته، تضم إبريقاً ومصباحي زيت وقطعتين خزفيتين وسواراً. وقد نُقلت إلى متحف حضارات الأناضول في أنقرة لإخضاعها للدراسة والعرض.
كنوز العصر البرونزي من سويسرا
وصلت إلى تركيا مجموعة تشمل تماثيل نذرية بوجوه وأحزمة مذهبة، وأقراطاً ذهبية، وأوعية زجاجية من بدايات العصور الوسطى، وهي الآن معروضة في متحف الآثار تحت الماء في بودروم، في خطوة تضيف أبعاداً جديدة للمعروضات المتعلقة بتاريخ المتوسط الشرقي.
تصعيد تركي ضد تهريب التراث
تأتي هذه التطورات في ظل توسيع تركيا قدراتها الرقمية في تتبع القطع عبر نظام إلكتروني يربط بين المتاحف والجهات الأمنية، إلى جانب اتفاقيات ثنائية جديدة مع دول أوروبية لتعزيز آليات التدقيق في المزادات. وتشير هذه الجهود إلى تحول قضايا تهريب الآثار إلى ملف سيادي يرتبط مباشرة بصورة الدولة في حماية تراثها الممتد عبر الحضارات.

