تكشف المعطيات المتداولة داخل أروقة البرلمان التركي عن نقاشات أمنية رفيعة المستوى تتعلق بسيناريوهات محتملة لانهيار السلطة في إيران، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات التدخل العسكري الأميركي.
ووفق ما طُرح في اجتماع مغلق، أبلغ مسؤولون في وزارة الخارجية التركية نوابًا بوجود خطط طوارئ تهدف إلى منع تدفقات بشرية واسعة من الأراضي الإيرانية باتجاه تركيا، في حال تفكك منظومة الحكم في طهران.
المداولات البرلمانية عكست قلقًا رسميًا من تكرار سيناريوهات سابقة عاشتها تركيا مع أزمات الجوار، خصوصًا في سوريا، حيث تحولت الحدود إلى ممرات مفتوحة لملايين اللاجئين. وفي هذا الإطار، جرى تداول مفهوم “منطقة عازلة” داخل الأراضي الإيرانية كخيار عملي لإبقاء السكان داخل حدود بلدهم ومنع عبورهم الجماعي نحو الداخل التركي، حتى وإن لم يُستخدم المصطلح حرفيًا في الإحاطات الرسمية.
الجغرافيا الحدودية كعامل ضاغط
تمتد الحدود التركية – الإيرانية عبر ولايات شرقي الأناضول ذات الطبيعة الجبلية الوعرة، مثل أغري وإغدير ووان وهكاري، وهي مناطق لطالما شكّلت معابر نشطة للتهريب والهجرة غير النظامية باتجاه تركيا ثم أوروبا. هذا الواقع الجغرافي دفع أنقرة، منذ سنوات، إلى تعزيز منظومتها الأمنية هناك عبر حواجز مادية وتقنيات مراقبة متقدمة.
وزارة الدفاع التركية تؤكد أن الحدود الشرقية باتت محاطة بجدار أمني مدعوم بالتكنولوجيا، يشمل أبراج مراقبة كهروبصرية، وأبراج مزودة بأنظمة رفع، إضافة إلى جدران خرسانية معيارية وخنادق دفاعية تمتد لمئات الكيلومترات، مع مراقبة مستمرة على مدار الساعة.
السياق الإقليمي والتصعيد الأميركي
تأتي هذه الاستعدادات التركية في وقت تعزز فيه الولايات المتحدة حضورها العسكري في الشرق الأوسط، على خلفية الاضطرابات الداخلية في إيران وتصريحات أميركية تتحدث عن خيارات تدخل محتملة. دخول حاملة طائرات أميركية إلى مياه المنطقة عزز منسوب القلق الإقليمي، خاصة مع تحذيرات من تداعيات غير محسوبة لأي مواجهة عسكرية مباشرة.
في المقابل، عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوضوح عن رفض أنقرة لأي عمل عسكري ضد إيران، معتبرًا أن الأولوية القصوى هي منع انهيار الاستقرار الإقليمي، لما يحمله ذلك من ارتدادات أمنية واقتصادية وهجرية تطال تركيا والمنطقة بأكملها.
الداخل الإيراني… احتجاجات دامية وتعتيم إعلامي
الإحاطة المغلقة في البرلمان التركي تطرقت أيضًا إلى تطورات داخلية مقلقة في إيران، حيث سقط آلاف القتلى والجرحى خلال احتجاجات اندلعت مؤخرًا على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيار العملة المحلية. السلطات الإيرانية واجهت تلك الاحتجاجات بإجراءات أمنية مشددة، شملت استخدام القوة وفرض تعتيم واسع على الإنترنت.
هذه التطورات عززت المخاوف التركية من تفجر موجة نزوح مفاجئة، خصوصًا في حال ترافقت الاضطرابات الداخلية مع ضغوط أو ضربات خارجية.
عبء اللاجئين وحساسية القرار التركي
تعكس الخطط التركية الجديدة تحولًا واضحًا في سياسة اللجوء، بعد سنوات من تحمّل أنقرة العبء الأكبر عالميًا في استضافة اللاجئين، وعلى رأسهم السوريون. تركيا تستضيف اليوم ملايين اللاجئين تحت أوضاع حماية مؤقتة، إضافة إلى جنسيات أخرى من العراق وأفغانستان، ما ولّد ضغطًا اجتماعيًا واقتصاديًا متصاعدًا في الداخل.
في هذا السياق، بات واضحًا أن أنقرة لا تنوي تكرار سياسة “الباب المفتوح” في أي أزمة قادمة، وتتعامل بحذر بالغ مع احتمال وصول لاجئين من إيران، مع الإبقاء فقط على استثناءات إنسانية ضيقة للحالات الطارئة.
التعقيد الأذري وحسابات الهوية
أحد الملفات الحساسة التي نوقشت يتمثل في وجود كتلة سكانية أذرية كبيرة داخل إيران، وما قد يفرضه ذلك من تحديات سياسية وأخلاقية في حال توجه أعداد كبيرة منهم نحو الحدود التركية. هذا العامل يضيف بعدًا جديدًا لتعقيد إدارة الأزمة، خاصة في ظل الروابط العرقية والثقافية العابرة للحدود.
بين الانفتاح الاقتصادي والتشدد الأمني
تركيا تسمح للإيرانيين بدخول أراضيها دون تأشيرة للإقامات القصيرة، وهي سياسة ساهمت في تنشيط التجارة والسياحة بين البلدين، لكنها في الوقت ذاته تجعل إدارة الحدود أكثر حساسية خلال الأزمات الكبرى، حين يتحول الانفتاح إلى ثغرة أمنية محتملة.
خلاصة
تعكس التحركات التركية استعدادًا مبكرًا لسيناريو إقليمي شديد التعقيد، حيث تحاول أنقرة الموازنة بين رفض التصعيد العسكري، وتشديد القبضة الأمنية، ومنع تكرار أزمات لجوء أنهكتها داخليًا. الرهان التركي يتمثل في احتواء التداعيات قبل انفجارها عند الحدود.

