تشير بيانات رسمية حديثة إلى أن معدلات الزواج في تركيا انخفضت في عام 2025 في وقت ارتفعت فيه نسب الطلاق، في مشهد اجتماعي واقتصادي متشابك يطرح تساؤلات عميقة حول واقع الأسرة والديموغرافيا في البلاد.
هذا التطور يعكس تأثيرات أوسع تتضمن الضغوط الاقتصادية، وتغير أنماط الزواج، والتحولات الثقافية التي تتجاوز السياسات الحكومية الداعمة للأسرة.
بيانات معهد الإحصاء التركي تكشف أن عدد حالات الزواج المسجلة في تركيا خلال عام 2025 شهد انخفاضاً مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفعت حالات الطلاق بشكل طفيف، مما يعكس تغيراً في السلوك الاجتماعي تجاه مؤسسة الزواج.
بلغ عدد الزيجات نحو 552 ألفاً مقابل حوالي 570 ألفاً في العام الذي سبقه، فيما ارتفعت حالات الطلاق إلى نحو 194 ألفاً. المعدلات الخام بلغت ما يقرب من 6.43 زيجات و 2.26 حالات طلاق لكل ألف شخص.
هذا التحول يأتي على الرغم من الحملات الحكومية المكثفة لدعم الزواج والأسرة، ما يثير تساؤلات حول فاعلية الإجراءات الرسمية في مواجهة العوامل الأساسية التي تقود هذه التغيرات.
السياسات الحكومية: طموحات كبيرة في بيئة صعبة
في مطلع عام 2025، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان عام “الأسرة” كمبادرة وطنية تهدف إلى تعزيز الروابط الأسرية وتشجيع تأسيس الأسر الجديدة، في ظل مخاوف من تباطؤ النمو السكاني وتراجع معدلات الخصوبة. تم إطلاق برامج دعم متعددة، من بينها زيادات في قروض الزواج بدون فوائد، زيارات دعم منزلي، وورش عمل لتعزيز التواصل داخل الأسرة. كما تم رفع الدعم المالي لاستحقاقات الأطفال لتوفير حوافز اقتصادية للمقبلين على الإنجاب.
مع ذلك، يبدو أن هذه الحوافز لم تثبت قدرتها على عكس الاتجاه العام للانخفاض في الزواج وزيادة التحديات الأسرية، مما يقود إلى تقييم جديد لاستراتيجيات دعم الأسرة في البلاد.
العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة
يربط معارضون للسياسات الحكومية هذا التراجع في الزواج بظروف الضغوط الاقتصادية التي تواجه شريحة واسعة من الشباب، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، السكن، والبطالة. من منظور المعارضة، فإن تلك التحديات تُجعل تأسيس الأسرة أغلى وأصعب، بينما يُضاف إلى ذلك الضغط المتزايد على العلاقات الزوجية، ما يسهم في ارتفاع نسب الطلاق.
كما يشير معدل متوسط سن الزواج إلى استمرار ميل الشباب لتأجيل الزواج إلى أواخر العشرينات، مع متوسط سن أول زواج يبلغ نحو 28.5 سنة للرجال و26 سنة للنساء، وهو ما قد يحد من الإنجاب في السنوات الأولى للحياة الزوجية ويؤثر على الخطة السكانية على المدى الطويل.
نظرة أعمق: توزيع جغرافي وأنماط اجتماعية
تكشف البيانات أيضاً عن تباينات جغرافية ملحوظة في أنماط الزواج والطلاق داخل تركيا:
- معدلات الزواج الأعلى كانت في محافطات جنوب البلاد مثل غازي عنتاب وعثمانية وشانلي أورفا.
- معدلات الطلاق الأعلى سجلت في المناطق الحضرية الغربية مثل إزمير وأنطاليا ودنيزلي، في حين كانت أقل في المناطق الجبلية والشرقية.
وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من ثلث حالات الطلاق وقعت خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج، ما يبرز هشاشة العلاقات الأسرية المبكرة، وهو مؤشر يستدعي اهتماماً خاصاً من صانعي السياسات والمجتمع المدني.
العوامل الديموغرافية والهوية الثقافية
تُظهر البيانات أيضاً أن الزواجات بين الأتراك والأجانب، خاصة السوريين، تمثل نسبة كبيرة من إجمالي العلاقات المختلطة، وهو انعكاس للتحولات السكانية في البلاد بسبب موجات الهجرة والاندماج الاجتماعي. السوريون كانوا في صدارة الجنسيات الأجنبية المتزوجة من مواطنين أتراك، سواء كأزواج أو كزوجات، مما يضيف بعداً ديموغرافياً جديداً لمشهد الزواج في تركيا.
تحديات مستقبلية وخيارات سياسة عامة
على الرغم من الجهود الحكومية الكبيرة، تشير التحليلات إلى أن العوامل الاقتصادية هي الأقوى تأثيراً في قرارات الزواج والاستقرار الأسري. يتطلب التعاطي مع هذه القضية أكثر من مجرد دعم مالي، بل سياسات متكاملة تشمل تحسين فرص العمل، دعم السكن الميسر للشباب، وتطوير برامج للتعليم والتوجيه قبل الزواج.
كما يُبرز التراجع في الخصوبة والميل إلى تأجيل تأسيس الأسرة حاجة ملحة لإعادة تقييم شامل للنهج الحكومي، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات الثقافية والاجتماعية التي أثرت على مفهوم الزواج والاستقرار الأسري في تركيا في السنوات الأخيرة.

