تتزايد المؤشرات التي تدفع إلى القلق بشأن المسار الصناعي لتركيا، في ظل تراجع مستمر لدور التصنيع في الاقتصاد، واتساع فجوة التكنولوجيا، وتآكل رأس المال البشري الهندسي. تقييم مهني حديث صادر عن الأوساط الهندسية يرسم صورة قاتمة لاقتصاد يتباعد تدريجيًا عن الإنتاج، وينزلق نحو نموذج هش قائم على الاستيراد والاستهلاك والأنشطة منخفضة القيمة.
اقتصاد عالمي يعيد التصنيع… وتركيا خارج المسار
في وقت تتجه فيه القوى الصناعية الكبرى، من الولايات المتحدة إلى الصين والاتحاد الأوروبي، إلى سياسات صناعية موجهة من الدولة، ترتكز على توطين الإنتاج وحماية سلاسل الإمداد، تواصل تركيا العمل وفق نموذج سوقي مجزأ يعتمد على الواردات. هذا التباين لا يُنظر إليه بوصفه خيارًا سياسيًا فحسب، بل كتحول هيكلي ينذر بأزمة طويلة الأمد في القدرة التنافسية.
التصنيع يتراجع… والنمو بلا إنتاج
خلال الأعوام الأخيرة، تراجعت مساهمة التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي بصورة متسارعة. النمو الاقتصادي تحقق أساسًا عبر التوسع في قطاع البناء، وزيادة الاستهلاك، والتمدد المالي، بدلًا من الاستثمار الإنتاجي. هذا النمط أفرز اقتصادًا منخفض القيمة المضافة، شديد الحساسية للصدمات الخارجية، وعاجزًا عن توليد إنتاجية مستدامة.
المقارنة مع اقتصادات نامية أخرى تُبرز عمق الفجوة. فبينما حافظت دول آسيوية ذات مستويات تنموية مقاربة على قاعدة صناعية صلبة، واصلت تركيا فقدان وزنها التصنيعي، ما يعكس مسارًا مختلفًا لا تصحبه سياسات تعويضية فعالة.
تبعية تكنولوجية بنيوية
إحدى أخطر نقاط الضعف تتمثل في هيكل الصادرات. الغالبية الساحقة من الصادرات الصناعية التركية تتركز في منتجات منخفضة أو متوسطة التقنية، بينما تبقى حصة السلع عالية التكنولوجيا محدودة للغاية. هذا الواقع يفرض نموذج تنافس قائم على الأجور المنخفضة بدل الابتكار، ويقيد نمو الإنتاجية، ويضغط على مستويات الدخل.
ضمن سلاسل القيمة العالمية، تُوصَف تركيا بأنها دولة تجميع لا تصميم، حيث تعتمد الصناعات، لا سيما الإلكترونية، على استيراد شبه كامل للمكونات الأساسية. الجزء الأكبر من عائدات التصدير يعود إلى الخارج على شكل تكاليف مدخلات، ما يفرغ النشاط الصناعي من مضمونه التنموي.
البحث والتطوير… فجوة مستمرة
الإنفاق على البحث والتطوير لا يزال دون المستويات المطلوبة لاقتصاد يسعى للارتقاء التكنولوجي. رغم تحسن طفيف في النسب، تبقى الفجوة واسعة مقارنة بالاقتصادات الصناعية المتقدمة والناشئة على حد سواء. هذا القصور يعكس ضعفًا في التخطيط طويل الأمد، وغياب رؤية شاملة للابتكار بوصفه ركيزة للتنمية.
الواردات تهيمن… والعجز يتعمق
تعتمد الصناعة التركية بشكل كبير على السلع الوسيطة المستوردة، التي تشكل النسبة الأكبر من إجمالي الواردات. هذا الاعتماد يجعل تقلبات سعر الصرف تنتقل مباشرة إلى القطاع الصناعي، ويحول الأزمات النقدية إلى أزمات إنتاج. في ظل ذلك، ترسخ العجز في الحساب الجاري واتسعت الفجوة التجارية، ما زاد من هشاشة الاقتصاد الكلي.
تباطؤ الإنتاج ومؤشرات انكماش
معدلات استخدام الطاقة الإنتاجية انخفضت إلى مستويات تُعد الأدنى منذ التعافي بعد الجائحة، بينما واصلت مؤشرات مديري المشتريات تسجيل انكماش طويل الأمد في النشاط الصناعي. هذه البيانات تعكس ليس ركودًا دوريًا عابرًا، بل ضعفًا هيكليًا في الطلب والاستثمار الصناعي.
المهندسون تحت الضغط… ونزيف العقول
التراجع الصناعي ترافق مع تدهور أوضاع القوى العاملة الهندسية. الأجور الحقيقية انخفضت، وأنماط العمل غير المستقرة اتسعت، والبطالة بين المهندسين الشباب ارتفعت. هذه الظروف سرعت وتيرة الهجرة، خصوصًا في التخصصات التقنية المتقدمة.
معدلات مغادرة الخريجين في مجالات الهندسة، وتكنولوجيا المعلومات، والإلكترونيات، والعلوم الحيوية، بلغت مستويات لافتة، ما يهدد بفقدان تراكم معرفي استراتيجي، ويقوض القدرة المستقبلية على التطوير التكنولوجي.
الخصخصة وإفراغ الدولة من دورها الصناعي
يُرجع التقييم جذور الأزمة إلى انسحاب الدولة من الإنتاج والتخطيط، وتفكيك عدد كبير من المؤسسات الصناعية العامة التي كانت تشكل العمود الفقري لإنتاج السلع الوسيطة وبناء المعرفة الصناعية. التحول في الاستثمار العام نحو مشاريع البناء والبنية التحتية، بدل التصنيع، أدى إلى إضعاف القاعدة الإنتاجية.
في الوقت ذاته، وُجهت انتقادات حادة لنظام الحوافز، الذي استنزف الموارد العامة عبر إعفاءات ضريبية واسعة، دون أن يحقق تحولًا نوعيًا في هيكل الصناعة، مع تركز الفوائد في قطاعات غير إنتاجية.
الدفاع يتوسع… دون أثر كافٍ
رغم النمو الملحوظ في قطاع الصناعات الدفاعية، وما حققه من حضور دولي متزايد، إلا أن اعتماده على المكونات المستوردة لا يزال مرتفعًا، كما أن الأثر التكنولوجي لم ينتقل بشكل فعّال إلى الصناعات المدنية. من دون إطار تخطيطي شامل، يبقى هذا القطاع غير قادر على قيادة تنمية صناعية مستدامة.
دعوة إلى تحول جذري
في مواجهة هذا المشهد، تُطرح رؤية بديلة تقوم على التخلي عن النهج السوقي الخالص، واعتماد استراتيجية صناعية تقودها الدولة. تشمل هذه الرؤية إعادة الاعتبار للتخطيط، وتعزيز الملكية العامة في القطاعات الاستراتيجية، ووقف الخصخصة، وربط التصنيع بالاحتياجات الاجتماعية والبيئية، وتحويل التحول الأخضر إلى فرصة لتوطين التكنولوجيا.
الاختيار، وفق هذا الطرح، بات حادًا: إما اقتصاد هش مبتعد عن الإنتاج، أو قفزة صناعية مخططة ومستقلة تعيد تعريف موقع تركيا في الاقتصاد العالمي.
الخلاصة
تركيا تواجه تراجعًا صناعيًا عميقًا لا يقتصر على الأرقام، بل يمتد إلى التكنولوجيا والعمالة والتخطيط. من دون تحول جذري في السياسات، يتجه الاقتصاد نحو ترسيخ التبعية وفقدان القدرة الإنتاجية طويلة الأمد.

