تتجه تركيا نحو مرحلة حاسمة في تقييمها ضمن الدورة الخامسة لمراجعات مجموعة العمل المالي، وسط توقعات باستبعاد عودتها إلى “القائمة الرمادية”، وفق تقديرات مسؤولين سابقين في هيئة الرقابة المالية.
وفي هذا السياق، أشار الرئيس السابق لهيئة التحقيق في الجرائم المالية مجلس التحقيق في الجرائم المالية عثمان ديرلي إلى أن المؤشرات التي خرجت بها بعثة التقييم الدولية بعد زيارتها الميدانية لتركيا كانت إيجابية، ما يعزز فرص اجتياز المرحلة الحالية دون تسجيل ملاحظات جوهرية.
ومن المتوقع أن يُحسم هذا الملف خلال الاجتماع العام المرتقب للمجموعة في يونيو 2026.
زيارة ميدانية دقيقة: اختبار الفعالية لا النصوص
أجرت بعثة “فاتف” زيارة إلى تركيا في أواخر نوفمبر 2025، بعد أكثر من عام على خروج البلاد من القائمة الرمادية في يونيو 2024، إثر تنفيذ خطة إصلاحات لمعالجة أوجه القصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وخلال الزيارة، عقدت البعثة سلسلة اجتماعات مكثفة مع مؤسسات مالية ورقابية، شملت الجهات المصرفية وشركات الدفع ومؤسسات إنفاذ القانون، وركّزت على جودة المعلومات المالية الاستخباراتية، وكفاءة التحقيقات والملاحقات القضائية، ومدى التزام المؤسسات المالية بالمعايير الدولية.
ويعكس هذا النهج التحولي في التقييم، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على الإطار القانوني، بل امتد إلى قياس فعالية التطبيق العملي.
تحركات استباقية: حملة رقابية واسعة قبل التقييم
قبيل وصول بعثة التقييم، كثّفت السلطات التركية إجراءاتها الرقابية، عبر إطلاق تحقيقات متعددة في شبهات غسل الأموال، واتخاذ خطوات حاسمة بحق شركات ومؤسسات مالية.
ومن بين هذه الإجراءات تعليق أو سحب تراخيص عدد من شركات الدفع ومصادرة أصول شركات يشتبه بتورطها في أنشطة غير قانونية، وتوسيع نطاق التحقيقات في شبكات مالية معقدة.
وقد شملت هذه الحملة شركات بارزة، من بينها Papara، التي أُلغيت رخصتها التشغيلية في أكتوبر 2025 بعد تحقيقات كشفت عن ارتباط مزعوم بأنشطة مراهنات غير قانونية.
قضايا بارزة: شبكات مالية تحت المجهر
أظهرت التحقيقات التي قادها الادعاء العام في إسطنبول وجود شبكات منظمة يُشتبه في تورطها بغسل الأموال والمقامرة غير القانونية.
وفي إحدى القضايا، تم توقيف عدد من المشتبه بهم، من بينهم مؤسس شركة بابارا، أحمد فاروق كارصلي، مع مصادرة أصول شركات مرتبطة بالقضية بلغت قيمتها نحو خمسة مليارات ليرة، وفق ما أعلنه وزير الداخلية علي يرلي قايا.
وفي عملية منفصلة خلال مارس 2025، أوقفت السلطات عشرات الأشخاص في إطار تحقيق آخر، من بينهم رجل الأعمال إركان كورك، المرتبط بعدة مؤسسات إعلامية ومالية، مع مصادرة عشرات الشركات.
إخفاقات سابقة وإصلاحات متأخرة
رغم الإشادة بالتحركات الأخيرة، أشار مسؤولون سابقون في “MASAK” إلى أن هذه الإجراءات جاءت متأخرة نسبياً، نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في القطاع.
وفي هذا الإطار، أوضح رمضان باشاك أن المشكلات تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية تتجسد في ضعف التدقيق في ملكية الشركات عند تأسيسها، وقصور في آليات الرقابة والتفتيش، وتأخر في اتخاذ الإجراءات الوقائية والردعية.
من القائمة الرمادية إلى مسار الامتثال
كانت تركيا قد أُدرجت على قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المشددة في أكتوبر 2021، بسبب ثغرات في الرقابة على القطاعات المعرضة لمخاطر غسل الأموال.
غير أن سلسلة من الإصلاحات التشريعية والتنفيذية مكّنتها من الخروج من هذه القائمة في منتصف 2024، بعد استكمال خطة العمل المطلوبة.
وتُظهر البيانات الأخيرة تحسناً ملموساً في مستوى الامتثال، حيث ارتفع عدد التوصيات التي تلتزم بها تركيا بالكامل، وتقلصت أوجه القصور إلى حدها الأدنى.
معيار جديد للتقييم: الفعالية قبل الشكل
تعتمد “فاتف” في منهجيتها الحالية على تقييم مزدوج يجمع بين الامتثال الفني، أي وجود القوانين والأنظمة، والفعالية العملية، أي مدى تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع.
وهذا التحول يعني أن نجاح تركيا لا يتوقف فقط على الإصلاحات القانونية، بل على قدرتها على إثبات أن نظامها المالي قادر فعلياً على كشف الجرائم ومنعها.
خلاصة
تشير المؤشرات الحالية إلى أن تركيا قطعت شوطاً مهماً في تعزيز منظومتها لمكافحة غسل الأموال، ما يقلل احتمالات عودتها إلى القائمة الرمادية. لكن الحكم النهائي سيعتمد على إثبات فعالية هذه الإصلاحات عملياً، وليس الاكتفاء بوجودها على الورق.

