بعد نحو ثلاث سنوات على الزلزال المدمر الذي غيّر ملامح أنطاكيا جنوب تركيا وشتّت نسيجها الاجتماعي، اجتمع ما تبقّى من أبناء الطائفة المسيحية الأرثوذكسية في المدينة لإحياء قدّاس ليلة الميلاد داخل كنيسة القديس بطرس، إحدى أقدم مواقع العبادة المسيحية في العالم، في مشهد حمل دلالات دينية وإنسانية تتجاوز الطقس نفسه.
موقع تاريخي يعود إلى البدايات الأولى للمسيحية
تقع كنيسة القديس بطرس داخل كهف محفور في صخر جبل يطل على أنطاكيا، المدينة التي عُرفت تاريخيًا باسم أنطاكية، وكانت من أهم مراكز المسيحية الأولى. ويرتبط الموقع تقليديًا بالرسول بطرس، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد مؤسسي الكنيسة الأولى، ما يمنح المكان رمزية خاصة لدى المؤمنين.
ورغم أن الكنيسة تحولت إلى متحف منذ سنوات، فإنها تُفتح للعبادة في مناسبات نادرة، من بينها ليلة الميلاد، لتتحول في تلك اللحظات إلى مساحة تجمع ما تفرّق من أبناء الطائفة.
مجتمع تقلّص بفعل الكارثة
خلّفت زلازل السادس من فبراير/شباط 2023 دمارًا واسعًا في أنطاكيا، الواقعة في ولاية هاتاي قرب الحدود السورية، ضمن واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي ضربت جنوب تركيا وشمال سوريا. وأسفر الزلزالان عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، وتسوية أحياء كاملة بالأرض.
وفيما لا تزال آثار الدمار حاضرة في مشهد المدينة، من مبانٍ متصدعة وأحياء مهجورة وأراضٍ مغطاة بالركام، دفع الواقع الجديد كثيرًا من العائلات المسيحية إلى مغادرة أنطاكيا. ووفق تقديرات كنسية، تراجع عدد الأسر المسيحية من نحو 350 عائلة قبل الزلزال إلى أقل من 90 عائلة اليوم.
كنائس مغلقة وذاكرة مثقلة
تضررت معظم الكنائس في المدينة أو أصبحت غير صالحة للاستخدام، بما في ذلك كنائس مركز المدينة التي كانت تحتضن احتفالات الميلاد وتستقبل الزوار من داخل تركيا وخارجها. ولم يعد الوصول إلى بعضها ممكنًا حتى الآن، في ظل بطء أعمال الترميم وإعادة الإعمار.
هذا الواقع حوّل كنيسة القديس بطرس إلى نقطة التقاء مؤقتة، لا فقط لأداء الشعائر، بل لاستعادة شعور الانتماء الجماعي الذي تآكل بفعل التهجير والخسارة.
طقوس الميلاد تحت إجراءات أمنية
بدأ الاستعداد للقدّاس في وقت مبكر من يوم الرابع والعشرين من ديسمبر، حيث عمل رجال دين ومتطوعون على تهيئة المكان، فوُضعت الشموع والأيقونات حول المذبح الحجري، ونُصبت مجسمات ميلادية وهدايا للأطفال خارج الكهف.
وخلال القداس، بُث تسجيل لأجراس كنيسة القديسين بطرس وبولس، الواقعة في مركز أنطاكيا والتي تقف اليوم فارغة، في إشارة رمزية إلى الكنائس الغائبة عن المشهد. وشارك في الصلاة نحو مئة شخص داخل الكهف، فيما تجمع آخرون خارجه، وسط إجراءات أمنية شملت وجود الشرطة وكلاب التفتيش، وهو أمر اعتبره المصلّون طبيعيًا في ظل كونهم أقلية.
لغة الصلاة… وهوية المكان
امتد القداس نحو ساعتين، وتخللته تراتيل أرثوذكسية باللغتين العربية والتركية، في انعكاس لهوية أنطاكيا التاريخية المتعددة. وأكد رجال الدين أن عدد الحضور كان في السابق أكبر بكثير، وكان يشمل أيضًا زوارًا غير مسيحيين، ما يعكس حجم التحوّل الذي فرضته الكارثة على المدينة وسكانها.
الإيمان كأداة للتماسك الاجتماعي
في ختام الصلاة، جرى تقطيع قالب حلوى كبير مزين بمشهد ميلادي، على وقع التراتيل، في لحظة حملت طابعًا رمزيًا واضحًا. فبالنسبة للمشاركين، لم يكن القداس مجرد احتفال ديني، بل محاولة لإعادة جمع ما تبقّى من مجتمع تشتّت، وتأكيد على الاستمرار رغم الخسارة.
ويؤكد أبناء الطائفة أن مثل هذه المناسبات باتت تؤدي دورًا مضاعفًا: الحفاظ على الذاكرة الدينية من جهة، ومحاولة ترميم الروابط الاجتماعية التي تضررت بفعل الزلزال والهجرة القسرية من جهة أخرى، في وقت لا تزال فيه عملية التعافي الشامل لأنطاكيا تسير ببطء.

