أكدت تركيا أنها مصممة على تجنب الانخراط في الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط، رغم ما وصفته بـ«الاستفزازات» المرتبطة بالصراع الدائر.
وأوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده تدرك أنها قد تتعرض لمحاولات دفعها إلى المواجهة، لكنه شدد على أن الهدف الاستراتيجي لأنقرة يتمثل في البقاء خارج دائرة الحرب.
وفي تصريحات صحفية، قال فيدان إن تركيا تعي جيداً أن البيئة الإقليمية المشحونة قد تفتح الباب أمام استفزازات متكررة، إلا أن القيادة التركية مصممة على عدم الانجرار إلى الصراع، مؤكداً أن تجنب الحرب يمثل أولوية قصوى في المرحلة الراهنة.
خلفية الحرب: ضربات أمريكية إسرائيلية ورد إيراني
تأتي هذه التصريحات في ظل الحرب التي اندلعت قبل نحو أسبوعين بعد الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما أعقبها من ردود إيرانية امتدت إلى عدة مواقع في المنطقة.
ومنذ بداية المواجهة، تحاول أنقرة الحفاظ على موقف حذر يجنّبها التورط المباشر في النزاع، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية وتتزايد احتمالات اتساع نطاق الحرب.
اعتراض صواريخ فوق الأراضي التركية
ورغم حرص أنقرة على النأي بنفسها عن الصراع، شهدت الأجواء التركية ثلاث حوادث اعتراض لصواريخ باليستية يُعتقد أنها أُطلقت من إيران، حيث تمكنت أنظمة الدفاع التابعة لـ حلف شمال الأطلسي من إسقاط هذه الصواريخ.
ووفق المعطيات المعلنة، جرى اعتراض الصاروخ الأول في الرابع من مارس، والثاني في التاسع من الشهر نفسه، بينما تم إسقاط الصاروخ الثالث في الثالث عشر من مارس. وقد نفت إيران مسؤوليتها عن إطلاق هذه الصواريخ في جميع الحالات.
وأشار فيدان إلى أن البيانات الفنية المتاحة تشير إلى أن مصدر الصواريخ كان الأراضي الإيرانية، رغم النفي الرسمي الصادر عن طهران.
أنقرة تستبعد الرد العسكري
وعلى الرغم من هذه الحوادث، أكد وزير الخارجية التركي أن بلاده لا تعتزم الرد عسكرياً، مشيراً إلى أن منظومات الدفاع التابعة للحلف أدت دورها بكفاءة في اعتراض الصواريخ.
وشدد فيدان على أن الهدف الأساسي لتركيا يبقى تجنب التورط في الحرب، مؤكداً أن التعامل مع الحوادث الأخيرة جرى ضمن إطار الدفاع الجوي للحلف دون اتخاذ خطوات تصعيدية.
البنية العسكرية الأطلسية في تركيا
تعد تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي، كما تستضيف قاعدة جوية في جنوب البلاد تنتشر فيها قوات تابعة للحلف، بما في ذلك قوات أمريكية. ويمنح هذا الوجود العسكري للحلف دوراً مباشراً في منظومة الدفاع الجوي التي تغطي المجال الجوي التركي.
هذا الواقع يفسر جزئياً كيفية التعامل مع الحوادث الصاروخية الأخيرة، حيث جرى اعتراضها ضمن منظومة الدفاع الأطلسية المتكاملة.
موقف تركي متوازن من أطراف الصراع
تسعى أنقرة إلى الحفاظ على موقف متوازن تجاه الأطراف المتصارعة، إذ وجهت انتقادات إلى الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران، كما انتقدت في الوقت نفسه الهجمات الإيرانية التي طالت دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.
وأوضح فيدان أنه دعا المسؤولين الإيرانيين إلى وقف تلك الهجمات، في محاولة للحد من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
دور الوساطة الذي حاولت أنقرة لعبه
قبل اندلاع الحرب، حاولت تركيا لعب دور وساطة بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها السياسية مع الجانبين. غير أن التطورات العسكرية المتسارعة جعلت فرص الدبلوماسية محدودة في المرحلة الحالية.
وأشار وزير الخارجية التركي إلى أن الظروف الحالية لا تبدو مواتية لجهود الوساطة، موضحاً أن المسؤولين الإيرانيين يشعرون بأنهم تعرضوا للخيانة بعد استهدافهم عسكرياً أثناء انخراطهم في مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن برنامجهم النووي.
ومع ذلك، لم يستبعد فيدان إمكانية استمرار الاتصالات غير المباشرة، مؤكداً أن طهران قد تبقى منفتحة على قنوات دبلوماسية خلفية إذا توفرت ظروف مناسبة.
شخصية مؤثرة في السياسة الخارجية التركية
يشغل هاكان فيدان منصب وزير الخارجية منذ عام 2023 بعد مسيرة طويلة في العمل الأمني، إذ تولى قيادة جهاز الاستخبارات التركي لأكثر من عقد.
ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد أقرب مستشاري الرئيس رجب طيب أردوغان، وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في صياغة توجهات السياسة الخارجية التركية، خاصة في ملفات الشرق الأوسط.
تطورات القيادة في إيران
تطرق فيدان أيضاً إلى الوضع القيادي في إيران بعد الضربة التي استهدفت المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي خلال المراحل الأولى من الحرب. وأوضح أنه لا يملك معلومات دقيقة عن حجم الإصابات التي تعرض لها، لكنه أكد أن ما هو معروف أنه لا يزال على قيد الحياة ويواصل أداء مهامه.
وكان مجتبى خامنئي قد تولى منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده علي خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير خلال المرحلة الأولى من الصراع.
وأشار وزير الخارجية التركي إلى أن عملية انتقال السلطة في إيران خلقت فراغاً مؤقتاً في القيادة، إلا أن الحرس الثوري الإيراني لعب دوراً في الحفاظ على استقرار النظام خلال تلك المرحلة.
خلاصة
تؤكد تركيا تمسكها بسياسة تجنب الانخراط في الحرب الإقليمية رغم الحوادث الصاروخية التي طالت مجالها الجوي، مع السعي للحفاظ على توازن دبلوماسي بين الأطراف المتصارعة.
وتعكس هذه السياسة محاولة أنقرة تفادي التصعيد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية قد تحدد شكل التوازنات في الشرق الأوسط.

