في تطور لافت وغير مسبوق، شرعت تركيا في محادثات مباشرة مع قادة الأكراد السوريين، بمن فيهم قيادات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة.
هذا التحوّل يأتي في سياق إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بعد نهاية النظام السوري بقيادة بشار الأسد، ووسط مساعٍ تركية لإنهاء النزاع التاريخي مع حزب العمال الكردستاني (PKK).
بداية المفاوضات: من العداء إلى الحوار
وفقاً لتقارير نشرتها “المونيتور” و”ميدل إيست آي”، فإن المحادثات بدأت بسرية تامة في عام 2024 واستمرت خلال عام 2025، بعقد اجتماعات في دول أوروبية مثل فرنسا وسويسرا، بين مسؤولين أتراك وممثلين رفيعي المستوى عن “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” بقيادة الأكراد.
هذا المسار التفاوضي جاء بعد الانتخابات المحلية التركية في مارس 2024، والتي أسفرت عن فوز حزب الشعب الجمهوري (CHP) لأول مرة على مستوى البلاد، بدعم من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي (DEM)، مما فرض على حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان فتح قنوات تواصل جديدة مع المكون الكردي داخلياً وخارجياً.
عبد الله أوجلان مجدداً في قلب المشهد
ضمن هذا المسار، شرعت أنقرة في مفاوضات جديدة مع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان، في مسعى لاستعادة التأييد الكردي وإيجاد مخرج دائم للنزاع المزمن. وفي تطور مفصلي، دعا أوجلان في 27 فبراير إلى حل حزب العمال الكردستاني، وهو ما وافق عليه قادته في جبال قنديل بتاريخ 12 مايو.
هذا التحول ترافق مع تصريحات مثيرة للجدل من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، الحليف القومي لأردوغان، الذي دعا إلى السماح لأوجلان بالتحدث أمام البرلمان ومنحه العفو إذا ساهم في إنهاء الحرب.
سقوط الأسد وظهور شرع… نقطة التحول
المفاوضات التركية الكردية حظيت بزخم إضافي بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وتولي حكومة سنية جديدة بقيادة أحمد الشرع — القيادي الإسلامي السابق المعروف بعلاقاته الإيجابية مع أنقرة — وهو ما خفف من مخاوف تركيا التقليدية من استخدام الأكراد كورقة إيرانية أو روسية ضدها.
وفي مارس 2025، وقّع القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي (كوباني) اتفاقاً تاريخياً مع الرئيس السوري الجديد، ينص على دمج “قسد” ضمن الجيش السوري الوطني المستقبلي، ويضع إطاراً لحكم ذاتي كردي ضمن نظام لا مركزي، تحت إشراف دمشق، وهي صيغة عارضتها أنقرة لسنوات، لكنها باتت الآن أكثر مرونة تجاهها.
أنقرة تتخلى عن خطوطها الحمراء السابقة… جزئياً
بحسب “ميدل إيست آي”، فإن تركيا لم تعد تمانع من حيث المبدأ منح الأكراد حكماً ذاتياً غير منصوص عليه دستورياً، ما دام لا يصل إلى حد الفيدرالية أو يتيح لحزب العمال موطئ قدم داخل سوريا.
وشملت الأجندة التفاوضية قضايا شائكة، منها انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، ونقل ملف معتقلي تنظيم “داعش” من “قسد” إلى الحكومة السورية، ودمج “قسد” في الجيش السوري الجديد. وقد أكدت مصادر أمريكية أن هذه المحادثات تتم بوساطة واشنطن، وأن القوات الأمريكية بدأت فعلاً تقليص وجودها من ثماني قواعد إلى خمس، مع احتمال الإبقاء على قاعدة واحدة فقط.
لقاءات مباشرة وتنازلات قيد البحث
عقدت عدة لقاءات مباشرة بين الطرفين، من بينها اجتماع في جنوب تركيا الأسبوع الماضي، ناقش أيضاً إعادة فتح معبر نصيبين الحدودي المغلق منذ 2012، بما ينعش اقتصاد مناطق الأكراد والعرب الواقعة تحت إدارة “قسد”. كما أن مظلوم عبدي أكد في مقابلة تلفزيونية في 30 مايو على قناة “شمس” أن وقف إطلاق النار مع تركيا مستمر منذ أكثر من شهرين، وقد يُبنى عليه سلام دائم. وقال: «نحن لسنا في حالة حرب مع تركيا»، مشيراً إلى استعدادهم لتطبيع العلاقات.
ورغم نفي الخارجية التركية و”قسد” ما ذكرته “المونيتور” حول عرض لقاء مظلوم عبدي بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان أو رئيس الاستخبارات إبراهيم كالين، إلا أن مجرد طرح مثل هذا السيناريو يعكس عمق التحول في الموقف التركي.
المطالب التركية: تصفية نفوذ الكردستاني أولاً
رغم كل هذه التحولات، تبقى أنقرة متمسكة بمطلبها المركزي: إزالة أي نفوذ لحزب العمال الكردستاني داخل مؤسسات الإدارة الذاتية في شمال سوريا. وتربط تركيا أي تقدم في الملف الكردي بتحقيق هذا الهدف، وإن بوسائل سياسية بدلاً من الحلول العسكرية التقليدية.

