يشهد البحر الأسود تصاعدًا لافتًا في المخاطر الأمنية بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت ناقلات نفط مرتبطة بروسيا، ما دفع أنقرة إلى استدعاء السفيرين الروسي والأوكراني للتعبير عن قلقها من تطور بات يلامس مناطق مسؤوليتها البحرية، ويهدد التوازن الدقيق الذي تحافظ عليه منذ اندلاع الحرب عام 2022.
استدعاء السفيرين: تحرّك تركي لاحتواء التصعيد
أعلنت أنقرة أنها استدعت ممثلي موسكو وكييف لإبلاغهما مخاوفها من امتداد العمليات الهجومية إلى مناطق قريبة من سواحلها الشمالية. وجاء التحرك بعد رصد ثلاث هجمات منفصلة استهدفت ناقلات تحمل صلات بروسيا، بعضها داخل أو بمحاذاة المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا، رغم وقوعها خارج المياه الإقليمية المباشرة.
اعتبارات قانونية وبحرية حساسة
تولي تركيا أهمية استثنائية لهذه المنطقة البحرية بحكم اختصاصها في عمليات البحث والإنقاذ، إلى جانب مسؤوليتها عن حماية البيئة البحرية وخطوط التجارة، ما يجعل أي ضربة قرب حدودها البحرية تطورًا ذا أبعاد أمنية واقتصادية في آن واحد.
ضربات كييف على ناقلات تتحايل على العقوبات
في نهاية نوفمبر، أعلنت كييف استهداف ناقلتي “كايروس” و”فيرات” اللتين كانتا تبحران نحو ميناء نوفوروسيسك الروسي. وتُصنَّف السفينتان ضمن ما يُعرف بـ”الأسطول الظلّي” الذي يستخدمه الكرملين لتصدير النفط عبر أعلام أجنبية للالتفاف على العقوبات الغربية.
حادث ميدفولغا ٢ قرب سينوب
في حادث ثالث، أفادت ناقلة روسية تحمل زيت دوار الشمس وتُدعى “ميدفولغا 2” بتعرضها لهجوم على مسافة تُقدّر بحوالي ثمانين ميلًا بحريًا شمال مدينة سينوب. واللافت أن الطاقم لم يطلب المساعدة، في مؤشر إلى أن الأضرار لم تكن مميتة، لكن الحادث أثار إنذارًا إضافيًا في أنقرة التي رأت فيه استمرارًا لموجة تهدد الملاحة التجارية المحاذية لحدودها.
أنقرة: إدانة صريحة وتحذير من “تصعيد مقلق“
وصف الرئيس رجب طيب أردوغان الضربات بأنها “غير مقبولة”، معتبرًا أنها تمثل مستوى جديدًا من التصعيد الذي يضرب عمق المنطقة الاقتصادية التركية، حتى لو لم يكن موجّهًا ضدها مباشرة. وأكد أن بلاده أبلغت الأطراف كافة بضرورة منع توسّع العمليات التي قد تُدخل البحر الأسود في مرحلة أكثر اضطرابًا.
قلق اقتصادي متنامٍ
التوتر البحري ألقى بظلاله على الشركات التركية العاملة في خطوط الشحن باتجاه الموانئ الروسية. فقد رفعت شركات التأمين أقساطها بسبب المخاطر، ما دفع شركة “بيشيكتاش للشحن” إلى تعليق رحلاتها المرتبطة بالموانئ الروسية، في واحدة من أوضح الإشارات على أن تداعيات الحرب لم تعد بعيدة عن الاقتصاد البحري التركي.
اتصالات مع الناتو وتقييم لمخاطر الملاحة
ناقش وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، التطورات الأخيرة مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في بروكسل. وتناول اللقاء أمن البحر الأسود وآفاق وقف الحرب في ظل تمددها البحري، خاصة أن المنطقة تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في النشاط العسكري غير التقليدي، بما في ذلك الهجمات البحرية بواسطة المسيّرات.
تركيا بين موقعين: عضو في الناتو وشريك اقتصادي لروسيا
تحافظ أنقرة على توازن معقد قائم على التعاون الاقتصادي والطاقة مع روسيا، وفي الوقت نفسه دعم أوكرانيا عبر بيع المسيرات واستضافة مفاوضات الطرفين. كما لعبت دورًا محوريًا في اتفاق الحبوب الذي سمح بمرور الصادرات الأوكرانية عبر ممر آمن نحو البوسفور قبل تعليقه.
البحر الأسود: جبهة الحرب تقترب من خطوط تركيا البحرية
الهجمات الأخيرة تعيد تشكيل الخريطة البحرية للصراع، وتنقل المواجهة إلى نطاق أوسع يلامس المجال الحيوي التركي مباشرة. وبينما تؤكد كييف أن أهدافها اقتصادية وتهدف لإضعاف عائدات موسكو النفطية، ترى أنقرة أن تمدد العمليات نحو مناطق قريبة من مياهها يفرض عليها التحرك لمنع انزلاق البحر الأسود إلى مرحلة جديدة من اللااستقرار.

