قال المحلل السياسي التركي البارز البروفسور صواش جنتش أن تركيا تشهد تحولًا بنيويًا في مزاج الرأي العام تجاه الرئيس رجب طيب أردوغان، وسط تراجع غير مسبوق في الشعبية مقابل محاولات إحكام القبضة على الدولة. ففي أحدث استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة كوندا (KONDA)، وهي من أبرز شركات الاستبيان السياسي في تركيا، تبرز مؤشرات دقيقة على انكسار الهيبة الجماهيرية للنظام.
الشرعية الشعبية تتآكل: الرأي العام لا يريد أردوغان
وفقًا لبيانات كوندا (KONDA) الخاصة بالمشتركين، والتي اطلع عليها جنتش، فإن 67% من المستطلعين يرون أن فوز أردوغان مجددًا في الانتخابات “سيكون سيئًا لتركيا”، مقارنة بـ49% فقط في عام 2023. هذا التحول اللافت يشير إلى تآكل عميق في شرعية النظام لدى الجمهور، رغم حفاظ أردوغان على كتلة انتخابية صلبة تُقدر بـ38%، لا تتأثر غالبًا بالتقلبات السياسية.
المفاجأة: تفوق إمام أوغلو في استطلاع نظري
في سيناريو نظري أجري حول سباق رئاسي مفترض بين أكرم إمام أوغلو (المعتقل حاليًا) وأردوغان، حصل إمام أوغلو على 43% مقابل 33% لأردوغان، بينما أبدى 24% ترددهم. اللافت أن جزءًا من الكتلة الصلبة لأردوغان باتت تتجه نحو خانة التردد، ما يشير إلى انكماش داخلي حتى داخل قاعدته، رغم محاولات توظيف أدوات الدولة والأمن والاقتصاد لصالحه.
اقتصاد الانتخابات: شيمشك يبحث عن المال لا الإصلاح
بحسب جنتش، فإن وزير المالية محمد شيمشك ليس بصدد إصلاح الاقتصاد التركي بقدر ما يسعى إلى توفير سيولة انتخابية كافية لاستمرار النظام، حيث “تُشترى الانتخابات وتُقمع المعارضة”. وهنا لا يتعلق الأمر بتحسين معيشة الشعب بل بإبقاء أردوغان في الحكم، مهما كلّف الثمن.
خطة الإقصاء الممنهج: لا إمام أوغلو ولا ياواش
أعرب جنتش عن اعتقاده بأن النظام يسير في خطة منهجية لمنع شخصيات المعارضة القوية من الترشح، عبر التهديد أو القضايا القضائية. وتابع بأن إمام أوغلو في السجن، ومن المحتمل أن يتم إجبار منصور ياواش على إعلان انسحابه بحجة “الوضع المتوتر في البلاد”، من خلال ضغوط أمنية أو ملفات شخصية، وفق تعبيره.
حسابات داخل حزب الشعب الجمهوري: من البديل؟
أشاد جنتش بموقف أوزجور أوزيل، رئيس الحزب الجمهوري، الذي صرّح بأنه لن يكون مرشحًا للرئاسة بل سيدعم “المرشح القادر على الفوز”، لكنه لفت إلى ضرورة أن يناقش الحزب داخليًا بدائل محتملة في حال غياب ياواش أو استمرار حبس إمام أوغلو، مؤكدا أن الحزب “ليس مضطرًا لإعلان تلك البدائل علنًا، ولكن عليه أن يستعد لها بجدية”.
صناعة الوريث: هل تُمهّد تركيا لجمهورية “أردوغانية”؟
ذهب جنتش إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن النظام يُمهّد فعليًا لبناء نظام عائلي وراثي، من خلال الترويج المتصاعد لـ”بِلال أردوغان” عبر الإعلام الرسمي والموالين. ويتم تصويره على أنه “رجل الدولة الزاهد، المتعدد اللغات”، في محاولة لبناء صورة مسبقة لوريث سياسي قادم.
لكن جنتش حذر من أن أردوغان الأب يدرك خطورة ترك السلطة دون تفويض شعبي حقيقي لابنه، في ظل وجود قوى داخل الدولة “لن تسمح لبِلال بالجلوس على العرش بسهولة”، مشيرًا إلى إمكان تعرضه لـ”سيناريو مشابه لما جرى لـ”جَنش عثمان”، أحد الأمراء العثمانيين الذي اغتيل خنقا، في ظل صراعات محتملة داخل بنية الدولة العميقة.
رسالة كليجدار أوغلو: تقاطع خطير مع خطاب النظام
انتقد جنتش بشدة تصريحًا صدر مؤخرًا عن زعيم حزب الشعب الجمهوري السابق كمال كليجدار أوغلو، دعا فيه إلى “الصلح والتهدئة”، معتبرًا أنه يتقاطع مع خطاب أردوغان الأخير عن المصالحة الكردية، وكأن المعارضة تُسوّق لشرعية نظام يسجن أحد أبرز مرشحيها (إمام أوغلو)، بدل أن تواجهه. ووصف هذا الخطاب بأنه “انحدار مخزٍ للمكانة الأخلاقية للمعارضة”.

