رغم تحقيق تركيا لمعايير الإنفاق الدفاعي الأساسية التي يفرضها حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأول مرة، إلا أن حصتها النسبية من إجمالي الإنفاق الدفاعي للحلف تراجعت مقارنة بدول أخرى، وفقاً لما كشف عنه التقرير السنوي للأمين العام للناتو لعام 2024.
الالتزام بمعايير الحلف للمرة الأولى
على مدى العقد الأخير، ارتفعت نسبة الإنفاق الدفاعي التركي من 1.45% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2014 إلى 2.09% في عام 2024 (تقديريًا)، متجاوزة بذلك الحد الأدنى الذي حدده الحلف بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أنفقت أنقرة 31.8% من ميزانيتها الدفاعية لعام 2024 على المعدات الكبرى والبحث والتطوير المتصل بها، وهي نسبة تفوق بكثير الحد الأدنى الذي حدده الناتو بـ20%.
ويأتي هذا الإنجاز في إطار استجابة تركيا للبيئة الأمنية المتغيرة وضمن جهودها لتعزيز الجاهزية الدفاعية، حيث ارتفعت نفقاتها الدفاعية في السنوات العشر الأخيرة بنسبة 130% (وفقاً للأسعار الثابتة لعام 2021)، لتصل إلى 19.39 مليار دولار بعد أن كانت 8.41 مليار دولار عام 2014.
تراجع الحصة رغم الارتفاع في الإنفاق
رغم هذا الارتفاع الكبير في الإنفاق، انخفضت حصة تركيا من إجمالي الإنفاق الدفاعي للناتو (وفقاً للأسعار الجارية) من 2.4% عام 2014 إلى 1.9% عام 2024. هذا التراجع لا يعكس ضعفاً في الالتزام التركي تجاه الحلف، بل يعكس تسارعاً أكبر في إنفاق العديد من الدول الأعضاء، لا سيما في أوروبا الوسطى والشرقية، مثل بولندا، ليتوانيا، وإستونيا، التي تجاوزت نسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي. كما سجلت اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وفرنسا زيادات معتبرة في ميزانياتها العسكرية.
حضور فاعل في العمليات العسكرية للناتو
إلى جانب التزامها المالي، واصلت تركيا أداء دور فاعل ضمن المهمات العسكرية لحلف الناتو، حيث شاركت في:
- الدفاع الجوي: من خلال المساهمة في دوريات نظام الإنذار والرقابة المحمولة جواً (AWACS)، وهي دوريات مخصصة لرصد التهديدات الجوية في أوروبا الشرقية.
- الدفاع البحري: عبر إرسال قطع بحرية إلى مجموعات الناتو البحرية الدائمة، والمشاركة في عملية “حارس البحر” التي تهدف إلى ضمان الأمن البحري في البحر المتوسط.
- الدفاع الصاروخي: عبر محطة الرادار للإنذار المبكر في “كُورِجِك” شرق تركيا، ضمن نظام الدفاع الصاروخي الباليستي.
- الاستخبارات والمراقبة: من خلال برنامج الناتو المشترك للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (JISR)، الذي يعزز القرارات الاستراتيجية للحلف.
- مهام حفظ السلام: من خلال استمرار دعمها لقوات حفظ السلام في كوسوفو (KFOR) عبر نشر 325 جندياً.
مشاركة واسعة في المناورات والتحضيرات الجماعية
كانت تركيا من الدول المشاركة بفعالية في أكبر مناورات الناتو منذ عقود، مثل:
- تمرين “المدافع الصامد 2024” (Steadfast Defender): بمشاركة أكثر من 90 ألف جندي في البر والبحر والجو.
- تمرين “القفزة البارعة 24” (Brilliant Jump): لاختبار سرعة نشر قوة الرد السريع المشتركة للناتو.
- تمرين “ديناميك مانتا 24” (Dynamic Manta): الذي ركّز على مكافحة الغواصات في البحر المتوسط.
وتسعى هذه التمارين إلى رفع التنسيق والجاهزية وتعزيز قدرات الدفاع الجماعي.
الابتكار والتكنولوجيا: دور تركي في المبادرات المستقبلية
ضمن تطلعات الحلف لتعزيز التفوق التكنولوجي، انضمت تركيا إلى مشروع “STARLIFT”، أحد أبرز ستة مشاريع متعددة الجنسيات أطلقها الناتو عام 2024. يهدف المشروع إلى بناء شبكة مرنة وقابلة للتوسع لإطلاق الأقمار الاصطناعية عبر قدرات مملوكة حكومياً أو تجارياً، وذلك لضمان الوصول الفضائي في أوقات الأزمات أو النزاع.
ويُعد هذا الانخراط جزءاً من سعي الناتو لتطوير الابتكار العسكري وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الحلفاء، وخاصة في مجالات الفضاء والتقنيات الناشئة.
مكانة تركيا في الناتو: توازن بين الالتزام والتحديات
يُظهر التقرير أن تركيا تُعد من بين 22 دولة التزمت بتحقيق هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 2% من الناتج المحلي، ومن بين 28 دولة خصصت أكثر من 20% من ميزانياتها للمعدات الدفاعية. هذا يعكس اتجاهاً عاماً لدى الحلف لتعويض سنوات من نقص الاستثمار العسكري.
ورغم تراجع النسبة النسبية لتركيا من إجمالي إنفاق الحلف، إلا أن مساهماتها النوعية في العمليات والمبادرات التكنولوجية والمناورات الجماعية تؤكد استمرار دورها المحوري في منظومة الدفاع الجماعي للناتو، وتبرز تناغمها مع توجهات الحلف نحو الجاهزية والابتكار والردع.

