يعود ملف مقتل شرطيين تركيين في منطقة جيلان بينار إلى الواجهة من جديد، مع ظهور أدلة جنائية حديثة تهزّ الرواية الرسمية التي شكّلت لحظة الانفجار الكبرى التي أنهت مسار التسوية بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني.
وبعد مرور نحو عقد على الحادثة، يعيد تقرير جنائي جديد طرح أسئلة جوهرية حول حقيقة ما جرى، ومسؤولية الأطراف المتورطة، وكيف جرى التعامل مع التحقيقات في واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في مسار الأمن والسياسة بتركيا.
حادثة جيلان بينار: الحدث الذي أوقف عملية السلام الكردي الأولى
في صباح يوم صيفي من عام 2015، عُثر على الشرطيين فيياز يوموشاك وأوكان آجار مقتولين بالرصاص داخل الشقة التي كانا يتشاركانها في جيلان بينار، من دون أي آثار تدل على اقتحام أو كسر للأبواب. وما إن انتشرت صور الحادثة حتى اتجهت أصابع الاتهام مباشرة نحو حزب العمال الكردستاني، لتتحول الجريمة خلال ساعات إلى نقطة فاصلة أنهت عملياً مسار المفاوضات بين العمال الكردستاني وحكومة أردوغان.
ارتباط الحادثة بتطورات سياسية وأمنية متسارعة
وقعت الجريمة بعد يومين فقط على تفجير سروج الذي استهدف نشطاء أكراد واتُّهم تنظيم “داعش” بالوقوف وراءه. وفي غضون أيام، شنت تركيا حملة جوية واسعة على مواقع الحزب في شمال العراق، فيما اندلعت مواجهات عنيفة داخل المدن ذات الغالبية الكردية، وفرضت السلطات حظر تجول طويل في بعض المناطق.
انعكاسات انتخابية
تزامن الانهيار مع فقدان حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية في انتخابات يونيو، ومع دخول البلاد أجواء توتر أمني، استخدمت الحكومة خطاب “التصدي للإرهاب” قبيل الدعوة لانتخابات مبكرة أعادت للحزب السيطرة على البرلمان في نوفمبر.
تقرير جنائي يقلب فرضيات القضية
التقرير المضمّن مؤخراً في ملف محكمة التمييز يكشف تطابق بصمة موسومة باسم “L38” مع الإصبع الصغير الأيسر للشرطي بورا قورو، وهو زميل القتيلين. التقرير ذاته يشير إلى أن نصف البصمات المرفوعة من مسرح الجريمة تعود إليه، رغم أنه أكد في إفاداته السابقة أنه لم يدخل الشقة قط.
مسارات لم تُفتح في التحقيق الأول
رغم طلب محامي الدفاع الاستماع إلى قورو أثناء المحاكمة، رفضت المحكمة ذلك في حينه. كما لم تُفسّر أسباب وجود خمس بصمات تخصه، ولم تُفتح خطوط تحقيق بديلة رغم الغموض الذي أحاط بالقضية.
تغييرات مفاجئة في مسار عمل المسؤولين عن الملف
وثّقت المعلومات الواردة في الملف الأصلي سلسلة من التحركات الإدارية غير المألوفة:
المدعي الأول في القضية رُقّي أثناء إعداد لائحة الاتهام ثم نُقل إلى وزارة العدل قبل أن يُرقّى لاحقاً إلى قاضٍ من الدرجة الأولى.
القاضي الذي أمر بالاعتقالات الأولية، والمدعي الذي تابع إجراءات التشريح، إضافة إلى أكثر من عشرين شرطياً يخدمون في جيلان بينار آنذاك، تم توقيفهم لاحقاً وإبعادهم عن الوظيفة بتهمة الارتباط بحركة غولن.
قضية بلا جناة
بعد اعتقال سبعة مشتبه بهم واتّهامهم بالانتماء لحزب العمال الكردستاني، انتهت القضية إلى الإفراج عنهم ثم تبرئتهم لغياب الأدلة. ومنذ ذلك الوقت، لم يُحدد أي فاعل محتمل بديل، ما أبقى الجريمة بلا إجابة.
عودة النقاش حول طبيعة حادثة جيلان بينار
التطور الجديد يأتي في لحظة حساسة تعيش فيها تركيا مرحلة تفاوضية جديدة مع حزب العمال الكردستاني، بعد إعلان الحزب في مايو الماضي استعداده لترك السلاح وحلّ نفسه، ضمن مسار تفاوضي بدأ بخطوة مفاجئة قادها زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي ودعمها الرئيس أردوغان.
ملفات عالقة تعيق التقدم
ورغم المناخ الجديد، لم تتخذ الحكومة خطوات تجاه مستقبل عناصر الحزب الذين سلّموا أسلحتهم، كما لم تُقدّم تصوراً لمصير عبد الله أوجلان، الذي كان محورياً في محادثات السلام السابقة. ويعدّ حل هذه المسائل أساسياً لمدى نجاح المسار الجديد.
قضية جيلان بينار كاختبار للشفافية
التقرير الجنائي الجديد يضع القضاء التركي أمام اختبار جديد، خصوصاً أن القضية ما زالت أمام محكمة التمييز منذ سنوات. ويُنتظر أن تقرر المحكمة ما إذا كانت المعطيات الجديدة ستفتح الباب لإعادة التحقيق أو إعادة بناء الملف من أساسه.

