أعاد انحسار مياه بحيرة إزنيك في شمال غربي تركيا إحياء أحد أبرز المعالم الدينية في تاريخ المسيحية الأولى، بعدما ظهرت أطلال بازيليكا “الآباء المقدّسين“ التي بقيت مغمورة تحت الماء لأكثر من سبعة قرون.
وتحوّلت هذه الكنيسة، التي شيّدت في القرن الرابع الميلادي فوق موقع استشهاد شاب مسيحي، إلى محور بحث أثري واسع وإلى محطة ذات رمزية كبرى مع اقتراب الذكرى الـ1700 لأول مجمع مسكوني في نيقية.
ظهور غير متوقّع بعد قرون من الغرق
عندما رُصدت بقايا الكنيسة لأول مرة قبل عقد عبر صور جوية، كانت تبعد عشرات الأمتار عن الشاطئ وتحت ما يقارب مترين من المياه. ومع بدء انخفاض منسوب بحيرة إزنيك منذ عام 2020 بفعل تغيّرات المناخ، ارتفعت أطلال الكنيسة تدريجيًا فوق سطح الماء، لتُتاح دراستها ميدانيًا لأول مرة خارج بيئة الغوص.
تأريخ الموقع وتحديد بنائه
يؤكد الفريق الأثري أن البازيليكا شُيّدت نحو عام 380 ميلاديًا، بعد نحو عقدين على انهيار الكنيسة الأولى الموقعية في زلزال عنيف ضرب المنطقة عام 358 ميلاديًا.
موقع استشهاد شاب رفض عبادة الأوثان
تعود أهمية الموقع إلى كونه مكان استشهاد نيفوفيتوس، الفتى البالغ 16 عامًا، الذي قُتل عام 303 ميلاديًا خلال موجة الاضطهاد الروماني ضد المسيحيين. وتُظهر سجلات المتحف المحلي تفاصيل التعذيب الذي تعرّض له قبل إعدامه لرفضه تقديم القرابين للآلهة الوثنية.
الكنيسة الأولى ومجمع نيقية
شُيّدت كنيسة خشبية فوق قبره عقب تقنين المسيحية، وهي التي احتضنت مجمع نيقية الأول عام 325 ميلاديًا بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير. هناك اجتمع مئات الأساقفة لصياغة “قانون الإيمان النيقاوي”، الذي بقي حجر الأساس في العقيدة المسيحية حتى اليوم.
موقع شهد على العنف: اكتشاف مقبرة شهداء واسعة
يصف الفريق الأثري البازيليكا بأنها “مقبرة شهداء”، بعد العثور على نحو ثلاثمئة مدفن حتى الآن، بينها قبور تحمل بقايا عظام متضررة جرّاء ضربات حادة أو كسور في الجمجمة والأطراف. وتشير هذه البقايا إلى عمليات قتل وتعذيب ممنهج ارتُكبت خلال مرحلة الاضطهاد الروماني.
قبور الأطفال
رُصدت أيضًا قبور صغيرة تشير إلى دفن أطفال، لم تُفتح بعد لكنها تؤشر إلى أن المنطقة احتضنت مختلف فئات الجماعة المسيحية المبكرة.
خطوات علمية دقيقة
يخطط الخبراء إلى استخراج العظام وتحليلها أنثروبولوجيًا وتوثيقها، قبل إعادة دفنها احترامًا لقدسية الموقع.
تحوّل محتمل لإزنيك إلى مقصد عالمي
تأمل بلدية إزنيك أن تفتح الزيارة البابوية الطريق أمام ازدهار السياحة الدينية، خاصة أن البلدة تضم أسوارًا أثرية تمتد لألفي عام وتاريخًا مرتبطًا ببدايات المسيحية.
البعد الديني لزيارة البابا
يعتبر الباحثون أن الزيارة البابوية تأتي تأكيدًا على أهمية الأناضول كمهد للتاريخ المسيحي، إذ انطلقت من مدنها رسائل بولس الرسول وتجلّت فيها أبرز معالم المسيحية الأولى.
فرصة تنشيط “السياحة الإيمانية”
يرى الباحثون أن بروز الموقع من تحت الماء، مقترنًا بزيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية، قد يحوّل المنطقة إلى مركز حج مسيحي، خصوصًا مع اكتمال أعمال الترميم والدراسات الأثرية الجارية.

