في ظل تصاعد الجدل حول استقلال القضاء وطبيعة النظام السياسي في تركيا، برزت مواقف نقدية لافتة خلال مؤتمر بعنوان “أولاً يجب أن تتغير السياسة” الذي نظّمته “منصة الديمقراطية” في أنقرة، بإدارة وزير الثقافة الأسبق أرطغرل غوناي.
وقد تحوّل اللقاء، الذي جمع وزراء سبقوا أن عملوا في حكومات الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى مساحة مفتوحة لتشخيص أزمة عميقة تمس بنية الحكم وآليات العدالة في البلاد.
حرية التعبير تحت الضغط: قراءة في تحولات ما بعد التعديلات الدستورية
سلّط هاشم كيليتش، رئيس المحكمة الدستورية الأسبق، الضوء على التراجع الملحوظ في مساحة حرية التعبير، معتبراً أن المجتمع التركي بات يميل إلى “الصمت” بدلاً من ممارسة حقه في التعبير.
وأشار إلى أن التحول لم يكن مفاجئاً، بل جاء نتيجة مسار تدريجي، حيث انتقل الخطاب الرسمي – بحسب وصفه – من تقييد المعتقد الديني في المجال العام قبل عام 2010، إلى تقييد التعبير عن الأفكار بعد ذلك التاريخ. هذا التحول يعكس، في رأيه، تضييقاً ممنهجاً على الحريات الأساسية، ما أدى إلى انكماش المجال العام وتراجع النقاش الحر.
المحكمة الدستورية بين الضغوط وفقدان التأثير
في سياق متصل، وجّه كيليتش انتقادات مباشرة إلى أداء المحكمة الدستورية التركية، معتبراً أن موقفها الحالي يتسم بالحذر المفرط، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المجتمع بها.
وأكد أن عجز المحكمة عن فرض تنفيذ قراراتها على المحاكم الأدنى يمثل خللاً بنيوياً خطيراً، يضعف من هيبة القضاء ويقوّض مبدأ سيادة القانون.
كما شدد على ضرورة تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان دون تردد، باعتبارها أداة أساسية لمعالجة الانتهاكات وإعادة الاعتبار للعدالة.
واعتبر أن أزمة القضاء لم تعد مسألة قابلة للتأجيل، بل تحولت إلى تحدٍ مباشر يهدد استقرار النظام القانوني برمته.
نقد النظام السياسي: من تراجع الكفاءة إلى صعود الولاء
من جانبه، ركّز حسين جليك، وزير التعليم والتربية الأسبق، وأحد المؤسسين لحزب العدالة والتنمية الحاكم، على التحولات داخل النظام السياسي، منتقداً ما وصفه بتآكل مبدأ الكفاءة لصالح الولاء الشخصي.
وأوضح أن تركّز السلطة بيد القيادة السياسية يؤدي تدريجياً إلى إقصاء الكوادر المؤهلة، واستبدالها بشخصيات تقوم على الطاعة المطلقة. وفي هذا السياق، أشار إلى أن انتقاد القيادة الحزبية بات يُنظر إليه كخيانة، وهو ما يعكس بيئة سياسية مغلقة تحدّ من التعددية وتضعف آليات الرقابة الداخلية.
النظام الرئاسي تحت المجهر: جدل حول الشرعية والوظيفة
انتقادات جليك امتدت إلى طبيعة النظام الرئاسي الحالي، حيث اعتبر أن نموذج “الرئيس الحزبي” يتعارض مع مبادئ الحياد المفترض في منصب رئاسة الدولة.
وأشار إلى أن الجمع بين رئاسة الدولة والانتماء الحزبي يخلق اختلالاً في التوازن السياسي، إذ يؤدي إلى توسيع الفجوة بين السلطة والمعارضة، وتقييد حرية النقد السياسي تحت طائلة اتهامات قانونية، وإضعاف مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين.
كما ربط بين هذا النموذج وبين تدهور مؤشرات العدالة الاجتماعية، مشيراً إلى أن التفاوت الكبير في توزيع الدخل يقوّض فكرة “الدولة الاجتماعية”، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام النظام بالمبادئ الدستورية المعلنة.
تساؤلات مفتوحة حول دولة القانون
في ختام المداخلات، برز سؤال جوهري يعكس عمق الأزمة: هل ما تزال تركيا دولة قانون بالمعنى المؤسسي الكامل؟ هذا التساؤل لم يعد مجرد طرح نظري، بل أصبح – وفق ما عكسه النقاش – محوراً مركزياً في تقييم مسار النظام السياسي والقضائي.
أزمة ثقة متعددة الأبعاد
يرى مراقبون أن هذه المواقف تكشف عن أزمة مركبة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، لتطال استقلال القضاء وفعاليته، وطبيعة النظام السياسي وحدود سلطاته، والعلاقة بين الدولة والمجتمع في مجال الحريات.
كما تعكس وجود تيار داخل النخبة التركية يدعو إلى إعادة التوازن بين السلطة والرقابة، وإحياء المبادئ الدستورية التي تضمن الفصل بين السلطات.

