في تطور يعكس تصاعد التوتر داخل المنظومة القضائية التركية، أصدرت المحكمة الدستورية حكماً جديداً بالإجماع يؤكد وقوع انتهاكات جسيمة في قضية مخطط المدن تايفون كهرمان، أحد أبرز المدانين على خلفية احتجاجات “غيزي بارك”، وذلك بعد امتناع محكمة أدنى درجة عن تنفيذ قرار سابق صادر عن المحكمة نفسها.
حكم ثانٍ يؤكد الإخلال بالعدالة
أقرت المحكمة الدستورية أن تجاهل حكمها السابق لا يشكل مجرد مخالفة إجرائية، بل يمثل انتهاكاً مزدوجاً لحق كهرمان في محاكمة عادلة، ولحقه في اللجوء الفعّال إلى آلية “الطلب الفردي” أمام أعلى هيئة قضائية في البلاد. ويعد هذا القرار بمثابة توبيخ مباشر للمحاكم الأدنى التي رفضت الامتثال لقراراتها.
جذور الأزمة: رفض تنفيذ حكم إعادة المحاكمة
تعود خلفية القضية إلى حكم صادر في نهاية تموز/يوليو 2025، كانت المحكمة الدستورية قد خلصت فيه إلى وجود خلل في إجراءات المحاكمة، وأمرت بإعادة النظر في القضية. غير أن محكمة الجنايات العليا الثالثة عشرة في إسطنبول رفضت تنفيذ القرار في تشرين الثاني/نوفمبر، معتبرة أن المحكمة الدستورية تجاوزت صلاحياتها وتصرفت كجهة استئناف.
ولم يقتصر الرفض على عدم إعادة المحاكمة، بل شمل أيضاً الإبقاء على تنفيذ حكم السجن بحق كهرمان، ورفض الإفراج عنه مؤقتاً، ما أدى إلى تعقيد المسار القضائي وإطالة أمد احتجازه.
خلفية القضية: من احتجاج بيئي إلى اتهامات بإسقاط النظام
يُعد كهرمان من بين مجموعة من المتهمين الذين أُدينوا في نيسان/أبريل 2022 بتهم تتعلق بـ”مساعدة محاولة الإطاحة بالحكومة”، على خلفية احتجاجات حديقة غيزي التي بدأت كاعتصام محدود ضد مشروع عمراني في قلب إسطنبول، قبل أن تتحول إلى حركة احتجاجية واسعة النطاق ضد سياسات الحكومة.
وقد تم تثبيت الحكم لاحقاً عبر محكمة الاستئناف، ثم أيدته محكمة التمييز في عام 2023، ما عزز الطابع النهائي للإدانة قبل أن تعود المحكمة الدستورية لتفتح الملف مجدداً.
تداعيات مؤسسية: تصدعات في هيكل القضاء
أعاد الحكم الأخير تسليط الضوء على أزمة أعمق داخل النظام القضائي التركي، حيث شهدت السنوات الأخيرة حالات متكررة من امتناع محاكم أدنى عن تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية، خاصة في القضايا ذات الحساسية السياسية.
ويرى منتقدون أن هذا السلوك يقوض مبدأ اليقين القانوني، ويضعف فعالية “الطلب الفردي” كأحد آخر السبل القانونية المتاحة للمتضررين من انتهاكات الحقوق داخل البلاد.
انتقادات دولية ومؤشرات مقلقة
تعززت هذه المخاوف عبر تقارير دولية، حيث أشار تقرير المفوضية الأوروبية لعام 2025 إلى استمرار عدم تنفيذ بعض الأحكام البارزة للمحكمة الدستورية. كما صنف مشروع العدالة العالمي تركيا في مرتبة متأخرة ضمن مؤشر سيادة القانون، ما يعكس تراجعاً في معايير استقلال القضاء.
ردود فعل سياسية وقانونية
في الداخل، شدد رئيس اتحاد نقابات المحامين إرينتش ساغكان على أن تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية ليس خياراً، بل ضرورة للحفاظ على النظام الدستوري، محذراً من أن استمرار تجاهلها قد يؤدي إلى انهيار نظام الطلبات الفردية بالكامل.
من جانبه، دعا زعيم المعارضة أوزغور أوزل إلى الإفراج الفوري عن كهرمان، معتبراً أن صدور حكم ثانٍ بالإجماع ينهي الجدل القانوني ويؤكد وجوب الامتثال.
البعد الإنساني: الحالة الصحية تزيد من تعقيد الملف
تكتسب القضية بعداً إنسانياً إضافياً نظراً للحالة الصحية لكهرمان، الذي يعاني من مرض التصلب المتعدد. وقد أفادت زوجته بتعرضه لانتكاسة صحية حادة استدعت نقله إلى المستشفى، وسط تحذيرات طبية من أن تكرار هذه النوبات قد يؤدي إلى أضرار عصبية دائمة.
هذا الوضع أعاد طرح مسألة الإفراج لأسباب صحية، خاصة في ظل تجاهل تنفيذ قرار إعادة المحاكمة.
قراءة تحليلية: صراع الصلاحيات ومستقبل العدالة
تكشف هذه القضية عن صراع متصاعد بين مستويات القضاء في تركيا، يتجاوز الخلاف القانوني إلى مسألة تتعلق بتوازن السلطات داخل الدولة. فرفض تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى إلزامية أحكامها، ويهدد بتقويض أحد أهم ضمانات حماية الحقوق الأساسية.
كما تعكس القضية استمرار توظيف القضاء في سياقات سياسية، لا سيما في الملفات المرتبطة بالاحتجاجات والمعارضة، وهو ما يضع النظام القضائي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته واستقلاله.

