عاد إلى واجهة الجدل في تركيا مقطع مصور يُظهر أسلحة نارية داخل سيارة قيل إنها تابعة لـ”وقف تركيا للشباب” الذي يترأسه بلال أردوغان، نجل الرئيس رجب طيب أردوغان.
الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، أعاد إلى الأذهان أكثر الملفات غموضًا في تاريخ البلاد الحديث: الأسلحة التي اختفت في ليلة محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016.
الأسئلة التي أثيرت عقب انتشار المقطع تمحورت حول مصدر هذه الأسلحة وطبيعتها: “هل هي من بين تلك التي وُزعت خارج نطاق السيطرة في ليلة الانقلاب؟ وما الذي تفعله في مركبة تابعة لمؤسسة قريبة من السلطة؟”
15 تموز والظلال المظلمة
ليلة المحاولة الانقلابية، جرى توزيع كميات من الأسلحة على مجموعات شبه عسكرية وأفراد يشتبه في ارتباطهم بشبكات المافيا، بحسب روايات وشهادات لاحقة. كثير من تلك الأسلحة لم تكن مسجلة ضمن السجلات الرسمية للدولة، واختفت آثارها بعد الأحداث. ولم تُفتح تحقيقات شفافة لمعرفة هوية مستخدميها أو نوعية الرصاص الذي أودى بحياة العشرات تلك الليلة، فيما وثّقت مقاطع مصوّرة مشاركة عناصر مدنية مسلحة في المواجهات، بعضهم التُقطت لهم صور أمام مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، تحت إشراف وزير الداخلية الأسبق سليمان صويلو.
هذه الوقائع ظلت طي الكتمان، ومع مرور السنوات، لم تُكشف الوجهة النهائية للأسلحة التي سُلّمت خارج القنوات العسكرية الرسمية.
فضيحة جديدة: أسلحة في مركبة
انتشار فيديو يظهر بنادق طويلة المدى ومسدسات في سيارة قيل إنها تابعة لوقف تركيا للشباب فجّر موجة جديدة من التساؤلات. المقطع، الذي نُشر مرفقًا بصور للمركبة وأرقام لوحتها، أثار تكهنات بأن تلك الأسلحة ربما تكون من بين العتاد المفقود منذ أحداث انقلاب 2016
الصحفي سردار أكنان الذي نشر التسجيل، أشار إلى أن الصور التُقطت داخل مركبة كانت قد وُهبت سابقًا للوقف، مضيفًا أن هناك صورًا أخرى تظهر نائب وزير الشباب والرياضة أنس أمين أوغلو بجانب المركبة نفسها.
هذا التطور، بحسب تقرير نشره موقع “بولد” الإخباري التركي، يعيد الجدل حول شبكات النفوذ داخل المؤسسات المقربة من الحكومة، لا سيما مع تصاعد الحديث عن تنافس داخلي في صفوف حزب العدالة والتنمية بشأن مرحلة ما بعد أردوغان.
الصراع داخل العدالة والتنمية واسم بلال أردوغان في الواجهة
توقيت انتشار الفيديو ليس معزولًا عن الحراك السياسي داخل الحزب الحاكم. فخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت التوقعات حول بروز اسم بلال أردوغان كوجه محتمل في مرحلة ما بعد والده.
من هذا المنطلق، فُسّرت قضية الأسلحة باعتبارها انعكاسًا لتجاذبات داخلية، وربما وسيلة لتصفية الحسابات بين الأجنحة المتنافسة في السلطة، خصوصًا مع ما يُتداول عن تضخم دور وقف تركيا للشباب في مؤسسات الدولة الحساسة.
منظومة وقف تركيا للشباب: نفوذ واسع وتنظيم هرمي
الوقف الذي يقدَّم رسميًا بوصفه منظمة شبابية “خيرية”، يملك اليوم شبكة واسعة تمتد إلى جميع الولايات التركية، ويُقدّر عدد أعضائه النشطين بنحو مئات الآلاف.
الوثائق التي نُشرت مؤخرًا أظهرت، بحسب التقارير، أن للوقف تأثيرًا على التعيينات داخل أجهزة الدولة. وتشير مراسلات داخلية سُرّبت من مجموعات “واتساب” تابعة له، إلى تبادل معلومات تتعلق بقوائم أسماء مرشحة للتوظيف في مؤسسات أمنية وقضائية، إضافة إلى تهديدات وعمليات ابتزاز متبادلة بين الأعضاء.
إحدى الرسائل التي أثارت صدمة الرأي العام تحدثت عن ضرورة “التعامل” مع شخص يهدد بنشر وثائق حساسة، مع إشارة إلى إمكانية “تصفية” ذلك الشخص داخل السجن. كما تضمنت المراسلات طلبًا من أحد المسؤولين بحذف بيانات من أجهزة الكمبيوتر في المقر المركزي للحزب الحاكم.
تسريب الأسماء والملفات
القضية الجديدة أحيت مجددًا ملفًا أُغلق قضائيًا في عام 2023، حين أُدين موظف سابق في الوقف بتسريب بيانات تضم قوائم أسماء لأشخاص زُعم أنهم عُيّنوا في مؤسسات الدولة عبر قنوات غير رسمية.
التحقيقات أشارت إلى أن البيانات وصلت إلى ناشطين وصحفيين نشروا أجزاء منها على وسائل التواصل، من بينهم متين جيهان، الذي واجه بدوره دعاوى قضائية بسبب نشره تلك الوثائق.
وخلال المحاكمة، صرّح المتهم الرئيسي رمضان أيدُغدو بأن حياته في خطر، قائلاً: “إذا أصابني مكروه، فالمسؤول هو وقف تركيا للشباب”. ومع ذلك، لم يفتح أي تحقيق حول هذه التحذيرات.
الوقف يردّ: “افتراءات قديمة أُعيد تدويرها”
في أول رد رسمي، نفى رئيس وقف تركيا للشباب إبراهيم بشنجي صحة الفيديو والمراسلات المسربة، واعتبرها “مواد مفبركة أُعيد تداولها ضمن حملات التضليل المعروفة”. وأكد أن الوقف يعمل ضمن القانون وأنه لا علاقة له بأي نشاط مسلح أو غير قانوني.
لكنّ هذا النفي لم يُنه الجدل، بل زاد من الضغوط الإعلامية، خصوصًا في ظل غياب أي توضيح رسمي من الجهات الأمنية أو القضائية حول مصدر الأسلحة التي ظهرت في الفيديو.
الأسئلة المعلّقة: هل هي أسلحة 15 تموز؟
رغم مضي نحو عقد على محاولة الانقلاب، لم يصدر تقرير رسمي يكشف مصير الأسلحة التي فُقدت حينها لمقربين من الحكومة. الوزير الأسبق سليمان صويلو أقرّ في تصريحات سابقة بوقوع “نقص في بعض العتاد”، إلا أن الأجهزة المعنية لم تُقدّم ردًا واضحًا على الاستفسارات الموجهة إليها حتى عبر المنصات الرسمية كـ”مركز التواصل الرئاسي”.
اليوم، وبعد ظهور الفيديو الجديد، تُطرح تساؤلات مشروعة: هل هذه الأسلحة من بين تلك التي سُلّمت لمليشيات شبه مسلحة على صلة بالحكومة في ليلة الانقلاب؟ وإن لم تكن كذلك، فما الغرض من وجودها في مركبة مدنية تابعة لوقف تربطه علاقات وثيقة بالسلطة؟
تحقيقات غائبة وغموض مستمر
حتى الآن، لم يُعلن عن فتح أي تحقيق رسمي بخصوص الحادثة أو عن مصادرة الأسلحة الظاهرة في المقطع. كما لم تُقدَّم تفسيرات من الشرطة أو النيابة العامة.ويُخشى أن تلقى هذه القضية المصير ذاته لملفات كثيرة سابقة طواها الصمت، في مشهد يعكس استمرار غياب الشفافية في معالجة الأحداث التي ما زالت تُلقي بظلالها على الدولة منذ انقلاب 2016 المثير للجدل.

