أصدر القضاء التركي قراراً بوضع كنعان تكداغ، رئيس مجلس إدارة مجموعة “جان هولدينغ”، تحت الإقامة الجبرية مع منعه من السفر، فيما تم اعتقال خمسة من كبار مسؤولي المجموعة وإيداعهم السجن بانتظار المحاكمة.
ويأتي ذلك في إطار تحقيق واسع يقوده مكتب المدعي العام في كوتشوك تشكمجه بإسطنبول، يتناول اتهامات بتأسيس منظمة إجرامية، والتهرب الضريبي، والاحتيال وغسل الأموال.
التحقيقات تعود جذورها إلى عام 2022، وفق ما ذكره الادعاء، وتشمل شبكة واسعة من الأنشطة المالية المرتبطة بالمجموعة.
مصادرة الشركات والمؤسسات
الإجراءات القضائية أسفرت عن سيطرة الدولة في 11 سبتمبر على 121 شركة تابعة للمجموعة، بينها قنوات إعلامية بارزة مثل “هابر تورك تي في”، “شو تي في”، “بلومبيرغ HT”، و“HT Spor”، والتي كانت جزءاً من “جينر هولدينغ” قبل أن تستحوذ عليها “جان هولدينغ” عام 2024.
كما شملت المصادرة مؤسسات تعليمية كبرى مثل “جامعة بيلغي” في إسطنبول وشبكة مدارس “دوغا كوليج” المنتشرة على مستوى البلاد. وتم نقل إدارة هذه الأصول إلى صندوق تأمين الودائع المصرفية، وهو هيئة حكومية تدير الشركات المصادرة.
خلال عمليات التفتيش، شوهدت مركبات الدرك التركي متمركزة أمام مقر “هابر تورك تي في” في إسطنبول، في مشهد عكس جدية الدولة في فرض سيطرتها المباشرة.
تداعيات على الإعلام والتعليم
الصندوق الحكومي المشرف على الشركات صرّح بأن العمليات الإعلامية والتعليمية ستستمر دون انقطاع تحت وصايته. إلا أن مراقبين أشاروا إلى أن الخطوة تمثل أحدث حلقة في سلسلة من المصادرات التي طالت مؤسسات اقتصادية وتعليمية وإعلامية منذ محاولة الانقلاب عام 2016.
أبعاد سياسية وانتقادات دولية
منذ ذلك التاريخ، وضعت السلطات مئات الشركات تحت الإدارة الحكومية، غالباً بذريعة ارتباطها بتمويل الإرهاب أو شبكات إجرامية. غير أن المعارضة ومنظمات حقوقية دولية تتهم الحكومة باستخدام هذه الإجراءات لمعاقبة الخصوم السياسيين وإسكات وسائل الإعلام المعارضة.
الشركات والمؤسسات المرتبطة بحركة فتح الله كولن كانت الأكثر استهدافاً، إذ صادر الصندوق الحكومي مدارس وبنوكاً ووسائل إعلام ومجموعات صناعية مرتبطة بالحركة. أردوغان صنّف الحركة منظمة إرهابية في 2016، بعد أن اتهمها بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، بينما تنفي الحركة أي علاقة بالأحداث أو الإرهاب.
حجم الأصول المصادرة وتوسّع الحملة
تقرير صادر عام 2023 عن “معهد الدبلوماسية والاقتصاد” قدّر أن تركيا صادرت أصولاً بقيمة 50 مليار دولار من أكثر من مليون ونصف مليون شخص منذ 2016، محذراً من أن حجم المصادرات قد يرتقي إلى مستوى “الاضطهاد” الذي يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
وفي تطور حديث، وسّعت الحكومة هذه الإجراءات لتطال معارضين سياسيين خارج إطار الحركة، إذ تمت مصادرة شركة بناء مرتبطة ببلدية إسطنبول بقيادة أكرم إمام أوغلو، أبرز وجوه المعارضة ورئيس بلدية المدينة، بعد اعتقاله في مارس الماضي.
مخاوف اقتصادية واستثمارية
خبراء القانون وجماعات مراقبة الحريات حذروا من أن التوسع في نظام الوصاية والمصادرة يضعف حقوق الملكية، ويخلق مناخاً من عدم اليقين لدى المستثمرين، فضلاً عن أنه يوفر للحكومة وسيلة لتعزيز السيطرة على الإعلام والتعليم واحتواء مراكز النفوذ الاقتصادي.
جذور المجموعة وتوسعها
تعود جذور “جان هولدينغ” إلى عام 1972 حين أسس رجل الأعمال زمانهان جان شركة تجارية صغيرة، قبل أن يدمج أعماله تحت مظلة “جان هولدينغ” عام 1986 وينقل مقرها إلى إسطنبول عام 1990. ومع مرور العقود، توسعت المجموعة لتصبح من أبرز التكتلات التركية، عاملة في قطاعات متنوعة تشمل التعليم، الطاقة، الإلكترونيات الاستهلاكية، التكنولوجيا، الخدمات اللوجستية، الرعاية الصحية والإعلام.
اليوم، وضعت الإجراءات الحكومية واحدة من أكثر المجموعات تنوعاً تحت السيطرة المباشرة للدولة، في خطوة يُتوقع أن تعيد تشكيل قطاعات رئيسية في الاقتصاد التركي.

