تشهد تركيا فصلاً جديداً من حملتها المستمرة منذ سنوات ضد حركة الراحل فتح الله كولن، مع تنفيذ عمليات أمنية واسعة أسفرت عن توقيف مئات الأشخاص في عشرات الولايات. التطورات الأخيرة تعكس استمرار المقاربة الأمنية التي اعتمدتها أنقرة منذ محاولة الانقلاب الغامضة في صيف 2016، وتسلّط الضوء على طبيعة الأدلة المعتمدة في الملاحقات، وما يثيره ذلك من نقاشات قانونية وحقوقية داخلية ودولية.
حصيلة العمليات الأخيرة وانتشارها الجغرافي
وزارة الداخلية التركية أعلنت أن قوات الأمن نفذت عمليات متزامنة في 38 ولاية خلال الأسبوعين الماضيين، تم خلالها توقيف 298 شخصاً للاشتباه بصلاتهم بحركة كولن. وبعد استكمال الإجراءات الأولية، قررت المحاكم توقيف 182 منهم على ذمة التحقيق، فيما أُفرج عن 75 تحت رقابة قضائية، بينما لا تزال الإجراءات مستمرة بحق البقية.
الاتهامات الموجهة إلى الموقوفين شملت تقديم دعم لعائلات أشخاص مسجونين في قضايا مرتبطة بالحركة، نشر محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي تعتبره السلطات منسجماً مع خطابها، التواصل عبر هواتف عمومية ضمن ما يُعرف بـ“تحقيقات الهاتف العمومي”، إضافة إلى استخدام تطبيق التراسل المشفر بايلوك، الذي تقول أنقرة إنه استُخدم كأداة اتصال سرية بين أنصار الحركة، رغم أنه كان متاحاً سابقاً على متجري آبل وغوغل.
“تحقيقات الهاتف العمومي”: فرضية الاتهام وحدود الإثبات
تستند إحدى أبرز أدوات الادعاء في هذه القضايا إلى تحليل سجلات مكالمات من هواتف عمومية. وتقوم الفرضية على أن أحد أعضاء الحركة المزعومين أجرى اتصالات متتالية بأشخاص عدة من هاتف واحد، وبناءً على ترتيب المكالمات، يُفترض أن الأرقام التي سُجلت قبل أو بعد الاتصال الأساسي تعود بدورها إلى أشخاص مرتبطين بالحركة.
غير أن السلطات لا تملك تسجيلات لمحتوى المكالمات، ما يجعل الاتهام قائماً على نمط الاتصال وتسلسله الزمني فقط، وهو ما يثير تساؤلات قانونية حول معيار الإثبات وحدود القرائن الظرفية في قضايا ذات طابع أمني وسياسي.
جذور الصراع: من تحقيقات الفساد إلى الانقلاب الفاشل
تعود جذور المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى كانون الأول/ديسمبر 2013، حين طالت تحقيقات فساد شخصيات مقربة من الرئيس رجب طيب أردوغان وأفراداً من دائرته السياسية والعائلية. أردوغان اعتبر حينها أن التحقيقات تمثل “مؤامرة” تقف خلفها شبكات داخل مؤسسات الدولة، واتهم الحركة بالتغلغل في أجهزة القضاء والشرطة.
في أيار/مايو 2016، صُنّفت الحركة رسمياً منظمة إرهابية، قبل أن تبلغ الحملة ذروتها عقب محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو 2016، حين حمّل أردوغان الحركة مسؤولية التخطيط للمحاولة. ومنذ ذلك الحين، اتسع نطاق الاعتقالات والفصل من الوظائف العامة والإجراءات القضائية بحق عشرات الآلاف. الحركة من جانبها تنفي أي صلة لها بالانقلاب أو بأي نشاط إرهابي.
أرقام تعكس اتساع الحملة
بحسب أحدث بيانات وزارة العدل، أُدين أكثر من 126 ألف شخص بتهم تتعلق بالانتماء أو الارتباط بالحركة منذ 2016، ولا يزال أكثر من 11 ألفاً داخل السجون. كما تستمر الإجراءات القضائية بحق ما يزيد على 24 ألف شخص، بينما يخضع نحو 58 ألفاً لتحقيقات جارية، بعد نحو عقد من بدء الحملة المكثفة.
هذه الأرقام تشير إلى أن الملف لم يُغلق، بل ما يزال مفتوحاً على مسارات قضائية وأمنية ممتدة، ما يضعه في صلب المشهد السياسي والقانوني التركي.
البعد الإنساني والسياسي
إلى جانب آلاف المعتقلين، اضطر عدد كبير من المنتمين أو المشتبه بصلتهم بالحركة إلى مغادرة البلاد خشية التوقيف، ما أدى إلى تشكّل جاليات تركية معارضة في الخارج، خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية. هذا النزوح القسري خلق بدوره توترات دبلوماسية متقطعة بين أنقرة وبعض العواصم الغربية بشأن طلبات تسليم أو إغلاق مؤسسات تعليمية وإعلامية مرتبطة بالحركة.
في الداخل، تتداخل هذه الحملة مع مناخ سياسي يتسم بحساسية عالية تجاه قضايا الأمن القومي، حيث تبرر الحكومة استمرار العمليات بضرورة تفكيك ما تصفه بـ“البنية الموازية” داخل مؤسسات الدولة، بينما يرى منتقدون أن اتساع نطاق الملاحقات وطول أمدها يطرحان أسئلة حول التناسب والعدالة الإجرائية.
تطورات سياقية حديثة
تأتي هذه الموجة من الاعتقالات في وقت تواجه فيه تركيا تحديات اقتصادية وضغوطاً سياسية داخلية، ما يجعل ملف الأمن ومكافحة “التنظيمات الإرهابية” جزءاً ثابتاً من خطاب السلطة. كما تتزامن مع استمرار المحاكمات المرتبطة بملفات ما بعد الانقلاب، وإصدار أحكام جديدة في قضايا قديمة، في مؤشر على أن الدولة لا تعتزم إنهاء هذا المسار في المدى المنظور.
خلاصة
الاعتقالات الأخيرة تؤكد أن حملة أنقرة ضد حركة الخدمة ما تزال مستمرة وبزخم قضائي وأمني واسع، بعد نحو عقد على بدء المواجهة المفتوحة. وبينما تبرر الحكومة الإجراءات باعتبارات أمنية، يستمر الجدل حول معايير الإثبات واتساع نطاق الملاحقات.

