أثارت تصريحات زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، موجة انتقادات غير مسبوقة في الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية التركية، بعدما ربط بين ملاحقة خصومه السياسيين مستقبلًا وبين مشاهد الهروب الجماعي عبر نهر إيفروس، وهو رمز ثقيل الذاكرة في تاريخ القمع السياسي بتركيا، خصوصًا بعد محاولة الانقلاب الغامضة في 2016.
تصريحات في ساحة سياسية حساسة
خلال تجمع جماهيري في مدينة أدرنة الحدودية، وجّه أوزيل هجومًا حادًا على حزب العدالة والتنمية الحاكم، متهمًا إياه بتسخير القضاء لإقصاء المعارضة، وواصفًا التحقيقات الجارية بحق بلدية إسطنبول الكبرى واعتقال رئيسها أكرم إمام أوغلو بأنها «انقلاب قضائي». وفي سياق تحذيري، دعا أوزيل إلى منع المسؤولين عما وصفه بالملاحقات غير القانونية من الإفلات من المساءلة، مستخدمًا نهر إيفروس كرمز لهروب المتهمين مستقبلًا.
استدعاء خطاب ما بعد الانقلاب
الجدل تفجّر على نحو أوسع عندما استعاد أوزيل سردية ما بعد محاولة الانقلاب، مشيرًا إلى اعتقال الآلاف في أدرنة بعد تموز، مستخدمًا توصيفًا رسميًا مهينًا بحق حركة كولن. هذا الخطاب، بحسب منتقديه، أعاد إنتاج اللغة ذاتها التي بررت حملات الاعتقال والطرد الجماعي، رغم أن الجماعة نفت مسؤوليتها عن الانقلاب، واستمرت ملاحقة أتباعها لسنوات.
إيفروس… من حدود جغرافية إلى جرح إنساني
تحوّل نهر إيفروس، في أعقاب تلك التصريحات، إلى محور نقد واسع، إذ ذكّر حقوقيون وسياسيون بأن النهر كان مسرحًا لمآسٍ إنسانية جسيمة، حيث حاولت آلاف العائلات، بينهم نساء وأطفال، الفرار من البلاد بعد إلغاء جوازاتهم وانهيار الضمانات القانونية. كثيرون فقدوا حياتهم خلال تلك الرحلات الخطرة، ما جعل أي استحضار للنهر في سياق سياسي يحمل دلالات قاسية.
تشابه مقلق مع مرحلة القمع الواسع
المنتقدون رأوا في تصريحات أوزيل تشابهًا مقلقًا مع خطاب السلطة بعد الانقلاب، حين جرى فصل أكثر من مئة ألف موظف عام واعتقال عشرات الآلاف، وسط انهيار مبدأ المحاكمة العادلة. وأكدوا أن استدعاء تلك المرحلة، حتى في سياق نقد السلطة، يهدد بإعادة شرعنة الشك الجماعي والعقاب المسبق.
أزمة البلديات والمعركة القضائية
التصريحات جاءت في ظل تصعيد قضائي ضد بلديات تابعة للمعارضة، حيث يواجه عدد من رؤساء البلديات السجن، فيما فُرضت الوصاية الحكومية على بلديات أخرى، عقب فوز كاسح لحزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المحلية الأخيرة. الحزب يعتبر ما يجري محاولة للالتفاف على الإرادة الشعبية عبر القضاء، بينما تصر الحكومة على أن الإجراءات قانونية ولا دوافع سياسية خلفها.
ردود سياسية حادة ومتنوعة
الانتقادات لم تقتصر على ناشطين حقوقيين، بل شملت شخصيات سياسية من أطياف مختلفة. بعضهم اتهم أوزيل بتبني الذهنية ذاتها التي يدّعي معارضتها، معتبرين أن من يشتكي من قضاء مسيّس لا يمكنه تبرير الهروب من هذا القضاء حين كان يستهدف فئات أخرى. آخرون طالبوه بتوضيح موقفه، محذرين من أن الغموض يفتح الباب لتأويلات تتناقض مع مبادئ دولة القانون.
صوت الضحايا في مواجهة الخطاب السياسي
حقوقيون وصحفيون استعادوا قصصًا إنسانية مأساوية لأشخاص غرقوا أثناء محاولتهم الفرار، بينهم قضاة مفصولون وعائلات كاملة. وأكدوا أن عشرات الآلاف ممن عبروا إيفروس لم تكن لهم أي صلة بمحاولة الانقلاب، بل هربوا من الاعتقال التعسفي والتعذيب وغياب العدالة. كما ذكّروا بأن أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وثّقت انتهاكات ممنهجة في المحاكمات اللاحقة للانقلاب.
إيفروس كرمز تاريخي للاضطهاد
عدد من المعلقين شددوا على أن اختزال نهر إيفروس في كونه ممرًا لـ«انقلابيين» يتجاهل تاريخه الطويل كطريق هروب للمعارضين اليساريين والأكراد والنشطاء في فترات سابقة من تاريخ تركيا، ما يجعل استخدامه في خطاب تعبوي سياسي أمرًا محفوفًا بالمخاطر الأخلاقية.

