تستعد الحكومة التركية لتقديم حزمة الإصلاح القضائي الحادية عشرة إلى البرلمان خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة تهدف إلى توسيع صلاحيات الادعاء العام والبنوك والمؤسسات المالية لملاحقة الجرائم الاقتصادية الرقمية، بما في ذلك مصادرة المحافظ المشفرة وتجميد الحسابات المصرفية المرتبطة بعمليات غسل الأموال والمقامرة غير المشروعة.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها أحدث حلقة في سلسلة الإصلاحات التي تسعى أنقرة من خلالها إلى تحديث منظومتها القانونية في مواجهة الاقتصاد الرقمي المتنامي، لكنها تثير في المقابل مخاوف من تضييق على الحريات المالية وتهديد لحقوق الملكية الفردية.
ملامح المشروع الجديد: توسيع صلاحيات المصادرة والتجميد
ينص مشروع القانون على تعديل المواد الخاصة بالجرائم المالية الإلكترونية في قانون العقوبات التركي، بحيث تُمنح النيابات العامة سلطة مباشرة لمصادرة الأصول الرقمية وتجميد الحسابات المصرفية المشتبه بارتباطها بأنشطة مالية غير مشروعة، دون الحاجة إلى قرارات قضائية مسبقة.
كما يمنح المشروع البنوك ومنصات التداول بالعملات المشفرة صلاحيات استثنائية لتجميد الأرصدة عند الاشتباه في استخدامها لغسل الأموال أو تمويل عمليات المقامرة، وذلك ضمن إطار قانون الإجراءات الجنائية المعدل.
وتأتي هذه الإجراءات في محاولة لسد الفجوات القانونية الناتجة عن الطبيعة اللامركزية للعملات المشفرة وصعوبة تتبع حركتها داخل النظام المالي التركي.
استهداف المقامرة الإلكترونية وغسل الأموال
يركز مشروع القانون بشكل خاص على مواجهة الجرائم المالية المرتبطة بالمقامرة الرقمية، التي شهدت نمواً ملحوظاً في تركيا خلال السنوات الأخيرة، حيث تُستخدم حسابات شخصية أو محافظ إلكترونية لأغراض نقل الأموال غير المشروعة.
وتشمل التعديلات المقترحة على المادة 245/ب من قانون العقوبات اعتبار تأجير أو تأمين الحسابات المصرفية أو الإلكترونية للآخرين جريمة قائمة بذاتها، تُعاقب بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.
وسيتحمل المسؤولية القانونية كل من المستأجر وصاحب الحساب، حتى في حال عدم ثبوت النية الجنائية لدى الأخير، ما يمثل تحولاً جوهرياً في مفهوم المسؤولية المالية في القانون التركي.
ويهدف هذا التعديل إلى كبح ظاهرة متزايدة بين فئة الشباب الذين يعرضون حساباتهم أو محافظهم الرقمية للإيجار مقابل عمولات مالية تستخدمها شبكات مراهنات وغسل أموال.
السلطة الممنوحة للقطاع الخاص: جدل حول حدود التنفيذ
من أبرز الانتقادات الموجهة إلى المشروع أن البنوك ومنصات التداول الخاصة ستُمنح بموجبه صلاحيات واسعة تشبه صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون، إذ سيكون بمقدورها تجميد أموال المواطنين أو مصادرة الأصول الرقمية دون قرار قضائي مسبق، طالما ارتبطت بشبهة تحقيقية.
ويرى خبراء القانون أن هذه السلطة تثير إشكاليات دستورية تتعلق بحق الملكية الفردية المكفول بموجب المادة 35 من الدستور التركي، والتي تحظر مصادرة الممتلكات الخاصة إلا بقرار قضائي مبرر وبموجب قانون نافذ.
كما حذّر بعض القانونيين من أن توسيع صلاحيات المؤسسات المالية بهذا الشكل قد يؤدي إلى تجاوزات إدارية أو قرارات تعسفية تطال المستثمرين الشرعيين في سوق العملات المشفرة، وهو ما قد ينعكس سلباً على الثقة في النظام المالي التركي.
تأثيرات محتملة على سوق العملات المشفرة
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن تركيا تُعد من أكبر أسواق تداول العملات الرقمية في أوروبا والشرق الأوسط، إذ يلجأ المواطنون إليها كأداة للتحوط من تراجع قيمة الليرة والتضخم المرتفع.
ويرى محللون أن منح السلطات صلاحيات موسعة في تتبع وتجميد الأصول المشفرة قد يؤدي إلى تباطؤ نمو السوق المحلي وتراجع الثقة في منصات التداول المحلية، خصوصاً في ظل غياب آليات واضحة لحماية المستثمرين من الإجراءات التعسفية.
كما يخشى الخبراء من أن تؤدي هذه التعديلات إلى هروب رؤوس الأموال الرقمية إلى الخارج، ما يفاقم الضغوط على الليرة ويعقّد جهود الحكومة في ضبط التوازن المالي خلال مرحلة حساسة من الإصلاحات الاقتصادية.
الإطار السياسي والإصلاحي: الحزمة القضائية الحادية عشرة
تمثل هذه الخطوة جزءاً من الإصلاحات القضائية المتتالية التي أطلقتها أنقرة منذ عام 2019 في إطار ما تصفه الحكومة بجهود “تحديث منظومة العدالة”. ففي حين ركزت الحزم السابقة على حقوق الضحايا وضمانات المحاكمة العادلة وآليات تسوية النزاعات، تأتي هذه الحزمة لتوسيع نطاق الملاحقة الجنائية في الجرائم المالية الرقمية. أما الحزمة العاشرة التي أُقرت في يونيو الماضي، فقد هدفت إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون من خلال تدابير إفراج مشروط، ما يجعل الحزمة الجديدة تحولاً من الطابع الإنساني إلى الأمني في السياسة القضائية.
الموقف الحكومي: مسار تقني لم يُحسم بعد
حتى منتصف أكتوبر الجاري، لم يُعرض المشروع رسمياً على البرلمان، رغم تأكيد رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية عبد الله غولَر أن الوزارات المختصة لا تزال تُجري تقييماً فنياً للتعديلات المقترحة.
ويبدو أن الحكومة تسعى إلى تحقيق توازن بين مكافحة الجرائم المالية وحماية الاستقرار الاقتصادي، وسط نقاش متصاعد حول مدى انسجام هذه التعديلات مع المعايير الدستورية والالتزامات الدولية لتركيا في مجال حماية الحقوق الاقتصادية.
خلاصة المشهد: بين الأمن المالي وحقوق الملكية
تعكس الحزمة القضائية الجديدة توجهاً واضحاً نحو تشديد الرقابة على النشاط المالي الرقمي في تركيا تحت ذريعة مكافحة الجريمة المنظمة وغسل الأموال، غير أن غياب الضمانات الكافية قد يحولها إلى سيف قانوني مسلط على المستثمرين والمستخدمين الشرعيين للعملات المشفرة.
وفي ظل استمرار الغموض حول آلية التطبيق، يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الخطوة تعزيزاً للشفافية المالية أم مقدمة لتوسيع السيطرة الحكومية على الأصول الخاصة؟

