في توقيت إقليمي شديد الحساسية، وجّه عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني والمعتقل منذ أكثر من عقدين، رسالة سياسية لافتة دعا فيها إلى التنفيذ الفعلي لاتفاق دمشق الموقع في مارس، والهادف إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
الرسالة، التي نُشرت بمناسبة العام الجديد عبر حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي، لم تقتصر على الشأن السوري، بل ربطت بين استقرار سوريا وفرص السلام داخل تركيا.
اتفاق مؤجل وسط ضغوط متزايدة
الاتفاق الذي جرى توقيعه في دمشق بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، وضع خريطة طريق لدمج القوات والإدارة المدنية الكردية في شمال وشرق سوريا ضمن بنية الدولة، بما يشمل المعابر الحدودية والمطارات وحقول الطاقة، مع الاعتراف بحقوق الأكراد ضمن الدولة السورية. ورغم تحديد نهاية العام المقبل كموعد نهائي للتنفيذ، إلا أن الاتفاق لا يزال معلقًا، وسط تبادل اتهامات بين الأطراف المعنية.
أنقرة ودمشق: نفاد الصبر
السلطات السورية المؤقتة وتركيا حمّلتا قوات سوريا الديمقراطية مسؤولية التعطيل، متهمتين إياها بمحاولة إعادة التفاوض على بنود وُصفت بأنها نهائية. دمشق اعتبرت مطالب قسد غير مقبولة وغير قابلة للنقاش، بينما صعّد وزير الخارجية التركي لهجته مؤخرًا، محذرًا من أن صبر أنقرة بدأ ينفد، ومطالبًا بتنفيذ الاتفاق دون تأخير أو تحريف لمضمونه.
أوجلان يحدد بوصلة التنفيذ
في هذا السياق، جاءت رسالة أوجلان بمثابة ضغط سياسي غير مباشر على قيادة قسد، إذ دعا صراحة إلى الكف عن اختبار حدود الاتفاق والمضي نحو الالتزام به، معتبرًا أن التنفيذ من شأنه تسريع الاستقرار في سوريا ومنع انزلاقها إلى جولات صراع جديدة. كما طالب تركيا بلعب دور مسهّل وبنّاء، قائم على الحوار لا المواجهة، في هذه المرحلة المفصلية.
تقاطع نادر مع إشارات من قسد
دعوة أوجلان ترافقت مع مؤشرات علنية من مظلوم عبدي على انفتاح غير مسبوق تجاه التواصل المباشر معه. ففي تصريحات سابقة، أقر عبدي بتبادل رسائل مكتوبة مع أوجلان، وأعرب عن رغبته في زيارته داخل تركيا، معتبرًا أن التواصل الشخصي قد يساهم في معالجة الملفات الحساسة المتعلقة بالمقاتلين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، وتخفيف التوتر مع أنقرة.
أبعاد فكرية تتجاوز الاتفاق
لم تقتصر رسالة أوجلان على الجانب الإجرائي، بل حملت مضمونًا فكريًا وسياسيًا أوسع. فقد حمّل القومية الضيقة والطائفية مسؤولية الصراعات المستمرة في الشرق الأوسط، داعيًا إلى ما وصفه بنهج “السلام والمجتمع الديمقراطي” كبديل عن السياسات الأمنية. وأكد أن معالجة الحقوق الكردية لا يمكن أن تتم بالقوة أو عبر المقاربات العسكرية، بل من خلال التوافق الديمقراطي والسلام الاجتماعي.
السلام، الديمقراطية، والمرأة
ربط أوجلان بين السلام والتحول الاجتماعي، معتبرًا أن أي مشروع تحرري يظل ناقصًا دون تحرر المرأة، ومشيرًا إلى أن الثقافة السياسية الذكورية تسهم في إنتاج العنف وإدامته. وفي الشأن السوري، رأى أن الفوضى المستمرة تعكس الحاجة الملحة إلى مسار ديمقراطي حقيقي بعد سنوات طويلة من الحكم السلطوي.
قسد بين واشنطن وأنقرة
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة أمريكيًا، على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، وكانت الشريك الرئيسي في الحرب ضد تنظيم داعش. غير أن تركيا ترى أن هذه القوات تخضع فعليًا لهيمنة وحدات حماية الشعب، التي تعتبرها امتدادًا مباشرًا لحزب العمال الكردستاني، ما يجعل مصير الاتفاق مرتبطًا بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
المسار التركي الداخلي
تأتي هذه التطورات على خلفية مسار سلام متجدد داخل تركيا، حيث دعا أوجلان في فبراير الماضي حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وحلّ نفسه، وهي الدعوة التي أعلن الحزب الاستجابة لها عبر خطوة رمزية تمثلت في إحراق أسلحة خلال الصيف. بالتوازي، يناقش البرلمان التركي إطارًا قانونيًا مرتبطًا بالعملية، قد يؤثر على الوضع القانوني لعناصر الحزب، رغم غياب تفاصيل رسمية نهائية من الحكومة حتى الآن.

