منذ لحظة احتجاز رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في 19 مارس/آذار الماضي، تشهد الأسواق المالية التركية اضطراباً واضحاً لم تهدأ وتيرته حتى الآن. ورغم سلسلة الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي التركي لكبح تدهور الليرة وتقليص الإقبال على العملات الأجنبية، إلا أن التدخلات لم تفلح في وقف النزيف الاقتصادي.
49 مليار دولار خلال 3 أسابيع فقط
وفقاً لتقديرات الخبيرة الاقتصادية في “بلومبيرغ”، سيلفا بازكي، فإن البنك المركزي التركي ضخّ في الفترة الممتدة من 19 مارس حتى 10 أبريل ما يقارب 49 مليار دولار من احتياطياته في سوق الصرف الأجنبي، في محاولة لتثبيت سعر صرف الليرة التركية.
بازكي أوضحت في تحليل نُشر على منصة “إكس” أن صافي الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي انخفض بمقدار 42.2 مليار دولار خلال الفترة المذكورة، في حين أضاف ارتفاع أسعار الذهب وعائدات الصادرات نحو 6.5 مليار دولار إلى الاحتياطي. وبناءً عليه، فقدرت أن حجم التدخل الحقيقي قد بلغ حدود 49 مليار دولار.
استمرار النزيف بعد 10 أبريل
ورغم هذه الأرقام الصادمة، تشير المعطيات إلى أن النزيف لم يتوقف عند 10 أبريل؛ إذ تؤكد بيانات لاحقة أن التدخلات استمرت، وسط طلب متزايد من قبل السوق على الدولار، مما ينبئ بتراجع إضافي في احتياطيات النقد الأجنبي.
تراجع حاد في صافي الاحتياطي
المحلل البريطاني المعروف، تيموثي آش، علّق على هذه التطورات مشيراً إلى أن حجم الاستنزاف في احتياطيات البنك المركزي “مرتفع للغاية”، وتساءل في تغريدة له: “هل تكون الخطوة التالية هي رفع سعر الفائدة؟”، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطي التركي انخفض بحلول 10 أبريل إلى 16.7 مليار دولار فقط، وهو رقم يُعد مقلقاً في ظل الضغط المستمر على الليرة.
خلفية سياسية وتأثير اقتصادي
جاءت هذه التدخلات في سياق سياسي مشحون، إذ اتهم زعيم المعارضة التركية، أوزغور أوزيل، الحكومة بتنفيذ “انقلاب سياسي” ضد أكرم إمام أوغلو عبر ملاحقته قضائياً، معتبراً أن ما يجري لا يستند إلى أسس قانونية. ويُذكر أن إمام أوغلو كان قد تعرض لعملية توقيف أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية، ما دفع الأوساط المالية للاستنفار تحسّباً لأي سيناريوهات غير محسوبة.
أزمة متعددة الأبعاد
ويبدو أن هذه الأزمة تجاوزت كونها مجرد قضية سياسية أو خلاف قانوني، لتتحول إلى أزمة ثقة شاملة أثّرت على استقرار الأسواق التركية، وأظهرت هشاشة الوضع النقدي، وكشفت مجدداً مدى اعتماد السياسات المالية التركية على أدوات تدخل مؤقتة قد لا تكون مستدامة على المدى البعيد.
ومن الجدير بالذكر أن هذه التطورات تأتي في وقت تشهد فيه البلاد أيضاً تداعيات ما يُعرف بفضيحة “تسجيلات فاليالي”، التي كشفت عن شبكة من العلاقات المالية والسياسية المريبة، مما زاد من حدة المخاوف بشأن استقرار النظام الاقتصادي والمالي في البلاد.

