تشير التقديرات الحديثة إلى أن تركيا تمتلك واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية الباليستية في العالم، حيث يبلغ عدد صواريخها نحو 322 صاروخًا، ما يضعها في المرتبة السابعة عالميًا، متقدمة على دول مثل الهند وكوريا الجنوبية وفرنسا، رغم تفوق بعض هذه الدول في ميزانياتها الدفاعية.
توزيع القوى عالميًا: صدارة كبرى وتفاوت في القدرات
تتصدر الصين قائمة الدول من حيث عدد الصواريخ الباليستية بما يقارب 3100 صاروخ، تليها روسيا بنحو 1400، ثم الولايات المتحدة بحوالي 1300.
وتأتي كوريا الشمالية في المرتبة التالية مع نحو 1000 صاروخ، تليها إسرائيل بـ850، ثم إيران بنحو 800 صاروخ.
في المقابل، تمتلك دول أخرى أعدادًا أقل، مثل كوريا الجنوبية ومصر بنحو 190 صاروخًا لكل منهما، واليونان بـ165، وباكستان بـ126. أما فرنسا والمملكة المتحدة فلا تمتلكان سوى 64 صاروخًا لكل منهما، لكنها صواريخ ذات مدى عابر للقارات يصل إلى نحو 6000 و12000 كيلومتر على التوالي.
بنية الترسانة التركية: مزيج بين الاستيراد والتصنيع المحلي
تشمل القدرات الصاروخية التركية أنظمة متعددة، من بينها صواريخ أمريكية الصنع من طراز ATACMS، إلى جانب منظومات محلية مثل “يلدريم” بنسختيه، و”بورا”، و”تايفون”، التي تمثل أحدث ما وصلت إليه الصناعة الدفاعية التركية.
ويعكس هذا التنوع مسارًا طويلًا من التطوير بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، حين أطلقت القوات المسلحة التركية برنامجًا لتطوير الصواريخ الباليستية، مستندًا في مراحله الأولى إلى التعاون مع الصين.
من “يلدريم” إلى “بورا”: تطور تدريجي في المدى والدقة
كانت البداية مع صاروخ “يلدريم”، الذي جرى تطويره بالتعاون مع جهات صينية، بمدى يقارب 150 كيلومترًا. ومع مرور الوقت، توسعت القدرات عبر صاروخ “بورا”، الذي طورته شركة روكيتسان بالتعاون مع شركة China Precision Machinery Import-Export Corporation الصينية، ليصل مداه إلى نحو 300 كيلومتر، مع تحسينات ملحوظة في الدقة والقدرة التشغيلية.
“تايفون”: ذروة التطور والسعي نحو مدى أطول
يمثل صاروخ “تايفون” المرحلة الأكثر تقدمًا في البرنامج الصاروخي التركي، وهو حاليًا الأطول مدى بين الأنظمة المطورة محليًا. وقد أجرت تركيا تجربة إطلاق له فوق البحر الأسود في تشرين الأول/أكتوبر 2022، حيث قطع مسافة بلغت نحو 561 كيلومترًا.
ويتميز النظام بكونه منصة متنقلة للإطلاق، مصممة لتنفيذ ضربات عميقة بسرعة عالية ودقة توجيه متقدمة، مع تقليل الأضرار الجانبية والقدرة على تفادي أنظمة الدفاع الجوي. كما يشير بعض المحللين إلى أن النسخ المتقدمة منه قد تمتلك قدرة على المناورة في المرحلة النهائية قبل الإصابة، ما يعزز من صعوبة اعتراضه.
وفي هذا السياق، أعلن رجب طيب أردوغان أن المدى الحالي للصاروخ غير كافٍ، مؤكدًا أن الهدف هو الوصول إلى مدى يبلغ 1000 كيلومتر، ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز العمق الاستراتيجي للقدرات الصاروخية.
الاكتفاء الذاتي والقيود الدولية
يمثل تطوير “تايفون” تحولًا نحو الاعتماد على القدرات المحلية، خاصة في ظل القيود التي يفرضها نظام نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ، الذي يحد من نقل التقنيات المتعلقة بالصواريخ القادرة على حمل حمولة تزن 500 كيلوغرام لمسافة تتجاوز 300 كيلومتر.
وقد دفعت هذه القيود تركيا إلى الاستثمار بشكل أكبر في تطوير صناعاتها الدفاعية الذاتية، لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز استقلالية القرار العسكري.
الخصائص التقنية للصواريخ الباليستية
تعمل الصواريخ الباليستية عبر إطلاقها في مسار مرتفع بسرعة كبيرة، حاملة رأسًا حربيًا لمسافات بعيدة، قبل أن تعاود دخول الغلاف الجوي بسرعة عالية نحو الهدف، ما يجعل اعتراضها مهمة معقدة تقنيًا، خصوصًا في ظل التطورات المتعلقة بالسرعة والمناورة.
دلالات استراتيجية: قوة عددية مقابل فروقات نوعية
رغم أن تركيا تحتل موقعًا متقدمًا من حيث عدد الصواريخ، فإن المقارنة مع دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة تكشف عن فجوة نوعية في المدى، حيث تمتلك هذه الدول صواريخ عابرة للقارات ذات قدرات ردع استراتيجية بعيدة المدى.
ومع ذلك، فإن التوسع التركي في تطوير صواريخ متوسطة وقصيرة المدى يعكس تركيزًا على بيئتها الإقليمية، وعلى تعزيز قدراتها في محيطها الجغرافي المباشر.
خلاصة
تمتلك تركيا ترسانة صاروخية كبيرة تضعها بين القوى الصاعدة في هذا المجال، مع تركيز واضح على تطوير القدرات المحلية. ورغم التفوق العددي، لا تزال الفجوة قائمة في المدى الاستراتيجي مقارنة بالقوى النووية الكبرى.

