تتواصل التحركات الأميركية الهادفة إلى تشكيل قوة دولية لتولي مهام أمنية واستقرار طويل الأمد في قطاع غزة، في إطار تصور سياسي–أمني أوسع لما بعد الحرب. هذا التوجه، الذي تقوده واشنطن، يواجه صعوبات واضحة في إقناع دول بإرسال قوات عسكرية للمشاركة في مهمة معقدة سياسياً وميدانياً، وسط تباين المواقف الإقليمية والدولية حيال طبيعة التفويض وحدود الدور.
نقاش فلوريدا: تركيا على طاولة البحث
ضمن هذا السياق، شهد اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ولاية فلوريدا نقاشاً مباشراً حول احتمال إشراك تركيا فيما يُعرف بـ«قوة الاستقرار الدولية» المقترحة لغزة. الطرح الأميركي، وفق ما تسرّب من كواليس المحادثات، ينطلق من قناعة لدى ترامب بأن الدور التركي قد يشكّل عاملاً ميسّراً لإنجاح المهمة، لا سيما فيما يتعلق بملف تسليم سلاح حركة حماس إلى القوة الدولية، نظراً لطبيعة العلاقات التي تربط أنقرة بعدة أطراف فاعلة في الملف الفلسطيني.
ترامب ورهانه على العلاقة مع أردوغان
ترامب لا يُخفي دعمه لفكرة إشراك القوات التركية، بل يرى فيها مدخلاً عملياً لتجاوز حالة الجمود التي تعانيها المبادرة الأميركية. وقد سبق له أن لمح علناً إلى هذا الخيار قبل لقائه بنتنياهو، مشيراً إلى علاقته القوية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وإلى عزمه مناقشة هذا الدور معه في إطار البحث عن ترتيبات أمنية جديدة في غزة.
أنقرة: لا شرعية دون تركيا
من جهته، ذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أبعد من مجرد إبداء الاستعداد، معتبراً أن أي قوة دولية تُنشأ في غزة من دون مشاركة تركيا ستكون منقوصة الشرعية. وأكد أن بلاده مستعدة لتحمّل مسؤوليات مباشرة من أجل تحقيق «سلام دائم» في القطاع، في موقف يعكس سعي أنقرة لترسيخ نفسها طرفاً أساسياً في معادلة ما بعد الحرب، وليس مجرد داعم سياسي أو إنساني من الخارج.
التحفّظ الإسرائيلي: رفض أمني وسياسي
في المقابل، يبرز الرفض الإسرائيلي كعقبة مركزية أمام هذا الطرح. فقد أبدى نتنياهو، في أكثر من مناسبة، معارضة صريحة لأي وجود أمني تركي في غزة، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بانعدام الثقة السياسية والأمنية، وبالتوتر المزمن في العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، خاصة في ظل المواقف التركية الحادة من السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
مواقف إقليمية متحفظة: أذربيجان خارج الحسابات
التردد لا يقتصر على إسرائيل وحدها؛ إذ أعلنت أذربيجان بوضوح أنها لا تعتزم إرسال قوات إلى غزة ضمن هذه الخطة. وأكد رئيسها إلهام علييف أن بلاده لا تفكر في الانخراط في نزاعات خارج حدودها، مشيراً إلى أن حكومته طرحت تساؤلات على الإدارة الأميركية حول آليات عمل المهمة المقترحة وطبيعتها، في إشارة إلى غموض ما يزال يلف تفاصيل التفويض والأهداف.
صورة المشهد: مبادرة بلا إجماع
تكشف هذه المواقف المتباعدة أن فكرة القوة الدولية لغزة ما تزال تدور في حلقة ضيقة من النقاشات السياسية، من دون أن تنجح حتى الآن في بناء إجماع إقليمي أو دولي. فالدعم الأميركي المشروط، والاستعداد التركي المشوب بحسابات النفوذ، والرفض الإسرائيلي الصريح، إلى جانب إحجام دول أخرى عن المشاركة، كلها عوامل تضع المبادرة أمام اختبار صعب، وتجعل مستقبلها مرتبطاً بتسويات سياسية أعمق من مجرد نشر قوات على الأرض.
خلاصة
يبقى الدور التركي في غزة نقطة اشتباك سياسية بين واشنطن وتل أبيب، وفرصة تسعى أنقرة لاستثمارها إقليمياً. وبين هذه الحسابات المتناقضة، تظل القوة الدولية المقترحة فكرة غير مكتملة المعالم، تصطدم بغياب التوافق حول الشرعية والوظيفة والجهة القادرة على ضمان الاستقرار.

