تشهد العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وموسكو تحولًا لافتًا بعد انخفاض واردات تركيا من خام الأورال الروسي خلال شهر نوفمبر، في ظل تشديد العقوبات الغربية على قطاع الطاقة الروسي، واستعداد الشركات التركية لتغيّرات تنظيمية أوروبية مرتقبة. هذا التراجع يعكس اتساع نطاق الضغوط الجيوسياسية التي تعيد تشكيل حركة النفط في البحر المتوسط والبحر الأسود.
تراجع الإمدادات بعد ذروة الصيف
أظهرت بيانات الشحن تراجع واردات تركيا من خام الأورال الروسي بنحو مئة ألف برميل يوميًا مقارنة بشهر أكتوبر، ليستقر المعدل حول مئتي ألف برميل يوميًا. يأتي هذا الانخفاض بعد أشهر قليلة من وصول الواردات إلى قرابة أربعمئة ألف برميل يوميًا في يونيو، في إحدى أعلى المستويات منذ بداية العام.
القيود الغربية تقلّص خيارات التكرير
تشديد العقوبات الأمريكية على شركات نفطية روسية كبرى، ومنها “لوك أويل” و“روسنفت”، أدى إلى تقلص عدد الوسطاء القادرين على التعامل مع المصافي التركية. كما تستعد الشركات المحلية لحزمة قيود أوروبية جديدة تحظر، بدءًا من يناير 2026، استيراد الوقود المنتج من نفط روسي، الأمر الذي يدفع مصافي التكرير إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد مبكرًا.
تحوّل في سلة الإمدادات: بدائل إقليمية جديدة
مع تقلّص وصول خام الأورال، اتجهت أنقرة إلى تعزيز مشترياتها من خام CPC Blend الكازاخي وKEBCO، إضافة إلى خام البصرة العراقي. سجلت تركيا خلال نوفمبر أعلى مستوى لواردات خام CPC منذ فبراير 2024، بمتوسط تجاوز مئة ألف برميل يوميًا.
استثناءات قانونية ومصاعب تشغيلية
ورغم تحميل خام CPC من ميناء روسي، إلا أن مصدره الكازاخي يعفيه من العقوبات الغربية، ما يجعله أحد البدائل القليلة المتاحة للمصافي التركية. غير أن استمرار تدفقه بات مهددًا بعد الهجوم الأخير الذي استهدف منشأة تابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين، ما يثير مخاوف من اضطرابات محتملة قد تحدّ من الاعتماد على هذا المزيج.
لقاء البيت الأبيض: النفط مقابل الطائرات
التراجع في مشتريات النفط الروسي يتقاطع مع ضغوط مباشرة من الولايات المتحدة. خلال اجتماع الرئيس رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سبتمبر، كرر الأخير دعوته لتركيا لوقف شراء النفط الروسي بسبب استمرار الحرب في أوكرانيا. وفي المقابل، لوّح ترامب بإمكانية رفع الحظر المفروض على بيع مقاتلات الشبح الأمريكية لأنقرة.
إرث الخلافات الدفاعية
يأتي هذا التقارب المشروط بعد سنوات من التوتر عقب استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات F-35 عام 2019 إثر شرائها منظومة الدفاع الروسية S-400، وما تبع ذلك من عقوبات أمريكية. ومع ذلك، حافظت أنقرة على سياسة مستقلة تجاه العقوبات على موسكو، وزادت وارداتها من النفط الروسي منذ 2022 قبل أن تبدأ بالتراجع مؤخرًا تحت وطأة الضغوط.
الارتباط الاقتصادي العميق مع موسكو
ورغم الضغوط الغربية، تبقى تركيا أحد أهم شركاء روسيا التجاريين، حيث بلغت قيمة التبادل بينهما أكثر من خمسين مليار دولار العام الماضي، ترتكز بشكل أساسي على واردات الطاقة والسلع الإلكترونية.

