شهدت واردات تركيا من النفط الروسي تراجعاً ملحوظاً في الأشهر التي أعقبت اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض أواخر أيلول/سبتمبر، في اجتماع حمل رسائل سياسية مباشرة بشأن استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. فقد دعا ترامب حينها صراحةً أنقرة إلى وقف شراء النفط الروسي في ظل ما وصفه بالتصعيد الروسي المتواصل، وهو موقف أضفى بُعداً سياسياً على مسار التبادل الطاقوي بين البلدين.
ورغم أن روسيا حافظت على موقعها كمورّد أول للنفط ومشتقاته إلى تركيا حتى نهاية العام، فإن البيانات الشهرية أظهرت انحساراً تدريجياً في حصتها السوقية، بالتوازي مع ارتفاع إجمالي واردات تركيا من النفط والمنتجات البترولية.
تراجع الحصة الروسية رغم بقاء الصدارة
سجلت واردات تركيا الإجمالية من النفط الخام والمنتجات البترولية ارتفاعاً سنوياً خلال كانون الأول/ديسمبر، متجاوزة أربعة ملايين ونصف المليون طن، بزيادة لافتة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. وشكّل النفط الخام المكوّن الأكبر من هذه الواردات، متبوعاً بوقود الديزل، إضافة إلى كميات من البنزين وزيت الوقود ووقود الطيران والوقود البحري ومنتجات أخرى.
في المقابل، تراجعت الكميات القادمة من روسيا بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر، سواء من حيث الحجم الكلي أو من حيث الحصة النسبية. فقد انخفضت الإمدادات الروسية من ذروتها في تشرين الأول إلى مستوى أدنى في تشرين الثاني، قبل أن تشهد ارتفاعاً طفيفاً في كانون الأول، إلا أن هذا التحسن المحدود لم يمنع استمرار التراجع في نسبة مساهمة روسيا ضمن إجمالي الواردات التركية.
الأكثر وضوحاً كان الانخفاض في واردات النفط الخام الروسي تحديداً، إذ تراجعت الكميات بصورة متواصلة على مدى ثلاثة أشهر، مسجلة انخفاضاً يقارب الثلث خلال الربع الأخير من العام. ويعكس ذلك تحوّلاً ملموساً في سياسة التوريد، حتى وإن لم يصل إلى حد القطيعة.
تنويع متسارع لمصادر الإمداد
مع انكماش التدفقات الروسية، اتجهت أنقرة إلى تعزيز وارداتها من موردين آخرين. فقد قفزت شحنات النفط العراقي إلى تركيا بأكثر من الضعف بين تشرين الأول وكانون الأول، كما ارتفعت واردات النفط الكازاخستاني بصورة ملحوظة خلال الفترة ذاتها.
وشهد كانون الأول دخول موردين إضافيين إلى المشهد بكميات لم تكن ذات وزن يُذكر في الشهرين السابقين، إذ صدّرت ليبيا والنرويج شحنات من النفط الخام إلى السوق التركية، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تنويع سلة الإمدادات وتقليل الاعتماد النسبي على مصدر واحد.
ومع ذلك، بقيت روسيا المورد الأكبر بفارق واسع، إذ فاقت صادراتها إلى تركيا بأكثر من ضعفي صادرات العراق، أقرب منافسيها في ذلك الشهر.
أبعاد سياسية واقتصادية متشابكة
يأتي هذا التحول في سياق سياسي دولي معقد. فتركيا تُعد رابع أكبر شريك تجاري لروسيا، بحجم تبادل بلغ عشرات المليارات من الدولارات خلال العام السابق، معظمها في قطاعي الوقود الأحفوري والإلكترونيات. وبالتالي فإن أي تعديل في مسار واردات الطاقة لا يمكن فصله عن شبكة المصالح الاقتصادية الواسعة بين البلدين.
دعوة ترامب لأنقرة إلى وقف شراء النفط الروسي جاءت في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، ما وضع تركيا أمام معادلة دقيقة بين التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي ومصالحها الاقتصادية المباشرة مع موسكو. وتشير المؤشرات إلى أن أنقرة اختارت مسار “إعادة التوازن” بدلاً من القطيعة، عبر تقليص نسبي للإمدادات الروسية وتوسيع قاعدة الموردين.
أداء السوق المحلية: نمو في الاستهلاك والمبيعات
على صعيد السوق الداخلية، ارتفعت مبيعات البنزين في كانون الأول بنسبة تفوق الخُمس مقارنة بالعام السابق، متجاوزة نصف مليون طن. كما زادت المبيعات الإجمالية للمنتجات البترولية بأكثر من عُشر الكميات المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي، في حين واصل الديزل تسجيل نمو ملحوظ في الطلب.
أما الصادرات البترولية التركية، فقد شهدت ارتفاعاً عاماً، مدفوعة بقفزة كبيرة في صادرات وقود الطيران. في المقابل، تراجعت صادرات الديزل والبنزين والوقود البحري بنسب ملحوظة، ما يشير إلى تغيرات في أنماط الطلب الإقليمي والدولي.
المصافي بين التوسع والتباين القطاعي
ارتفع إجمالي إنتاج المصافي التركية خلال كانون الأول بنسبة تفوق الستة عشر في المئة على أساس سنوي، ليصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون طن تقريباً. وقد سجّل إنتاج وقود الطيران نمواً قوياً، متماشياً مع ارتفاع الصادرات في هذا القطاع.
في المقابل، انخفض إنتاج البنزين والديزل بنسب طفيفة، رغم ارتفاع المبيعات المحلية، ما قد يعكس إعادة توجيه الإنتاج أو الاستفادة من المخزونات أو من الواردات لتغطية الطلب الداخلي.
خلاصة
تعكس البيانات مساراً تركياً حذراً يقوم على تقليص الاعتماد النسبي على النفط الروسي دون التخلي عنه بالكامل، مع تسريع وتيرة تنويع الموردين. التحول الجاري يجمع بين اعتبارات السياسة الدولية وحسابات أمن الطاقة، في توازن دقيق بين واشنطن وموسكو.

