شهدت احتياطيات البنك المركزي في تركيا تراجعاً واضحاً خلال الأسبوع المنتهي في السادس من مارس، حيث انخفض إجمالي الاحتياطيات إلى نحو 197.4 مليار دولار بعد أن كانت 210.2 مليار دولار في الأسبوع السابق.
ويأتي هذا الانخفاض في ظل موجة من التقلبات في الأسواق المالية الإقليمية، ارتبطت بتداعيات الحرب الدائرة في إيران المجاورة وتنامي المخاوف الجيوسياسية في المنطقة.
وتشير البيانات إلى أن التراجع طال مكونات الاحتياطي الأساسية، سواء في العملات الأجنبية أو في احتياطيات الذهب، وهو ما يعكس الضغوط التي تتعرض لها الأسواق التركية في هذه المرحلة الحساسة.
تراجع احتياطيات النقد الأجنبي والذهب
سجلت احتياطيات النقد الأجنبي أكبر قدر من الانخفاض خلال الفترة المذكورة، إذ تراجعت بنحو 10.6 مليارات دولار لتصل إلى 62.7 مليار دولار. كما شهدت احتياطيات الذهب انخفاضاً إضافياً بلغ 2.1 مليار دولار لتستقر عند 134.7 مليار دولار.
ويُفسَّر هذا التراجع بزيادة الحاجة إلى استخدام الاحتياطيات في مواجهة التقلبات المالية والضغوط على الليرة التركية، في وقت تتأثر فيه الأسواق المحلية بعوامل خارجية أبرزها ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
مخاوف من تشديد السياسة النقدية
في ضوء هذه التطورات، حذّر الخبير المصرفي والأكاديمي شنول بابوشجو من احتمال لجوء السلطات النقدية إلى تشديد إضافي في السياسة النقدية إذا استمر استنزاف الاحتياطيات.
وأوضح أن استمرار الضغوط على الاحتياطي قد يفرض على صانعي القرار اتخاذ إجراءات سريعة، قد تشمل رفع أسعار الفائدة أو اعتماد أدوات أخرى لتقييد السيولة وكبح الضغوط على العملة.
وأشار بابوشجو إلى ضرورة تقييم التطورات الاقتصادية في إطار أوسع يأخذ في الاعتبار ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، مؤكداً أن السلطات الاقتصادية ينبغي أن تكون مستعدة للتعامل مع سيناريوهات مختلفة في المرحلة المقبلة.
خيارات نقدية بديلة قيد الدراسة
من جانبها، رأت خبيرة الاقتصاد الكلي أوزلم ديريجي شنغول أن البنك المركزي التركي خسر منذ اندلاع الصراع الإقليمي أكثر من 20 مليار دولار من احتياطياته، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها السياسة النقدية.
وأوضحت أن صانعي السياسة قد يفضلون اللجوء إلى أدوات بديلة بدلاً من الاعتماد المباشر على رفع سعر الفائدة الأساسي. ومن بين الخيارات المطروحة تعديل نطاق ما يُعرف بممر أسعار الفائدة، عبر رفع الحد الأعلى لهذا الممر، وهو ما يسمح بارتفاع أسعار الفائدة بين البنوك ويسهم في الحد من تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج.
تجربة سابقة من استنزاف الاحتياطيات
تأتي هذه التطورات في سياق حساس بالنسبة للاقتصاد التركي، إذ شهدت البلاد خلال مارس من عام 2025 اضطرابات حادة في الأسواق المالية أدت إلى استخدام البنك المركزي نحو 50 مليار دولار من احتياطياته خلال أسابيع قليلة.
وقد اندلعت تلك التقلبات عقب توقيف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي كان يُنظر إليه آنذاك على نطاق واسع بوصفه المنافس السياسي الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان، كما أظهرت استطلاعات الرأي في تلك الفترة تقدمه في الشعبية.
وأدى ذلك الحدث السياسي إلى موجة توتر في الأسواق المالية، انعكست في ارتفاع حدة التقلبات في سعر الصرف وتزايد الضغوط على الاحتياطيات النقدية.
اقتصاد يتأثر بعوامل السياسة والجغرافيا السياسية
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الاقتصاد التركي بات يتأثر بشكل متزايد بتقاطع العوامل السياسية والجيوسياسية. فالتوترات الإقليمية، إلى جانب التحولات في البيئة السياسية الداخلية، تظل عوامل قادرة على إحداث تأثير مباشر في استقرار الأسواق المالية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يواجه صانعو السياسة الاقتصادية تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسواق المحلية وفي الوقت نفسه إدارة المخاطر الخارجية المرتبطة بالتوترات الإقليمية وتقلبات أسعار الطاقة.
خلاصة
تراجع احتياطيات البنك المركزي التركي يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجه الاقتصاد في ظل التقلبات الجيوسياسية والإقليمية. كما يثير هذا التطور تساؤلات حول احتمال تشديد السياسة النقدية أو اللجوء إلى أدوات مالية بديلة للحفاظ على استقرار الأسواق.

