أصدرت السلطات التركية أوامر بتوقيف سبعة وثلاثين شخصًا إضافيًا خلال الأسبوع الماضي، في إطار تحقيقين منفصلين يتصلان باتهامات الانتماء إلى حركة كولن، في خطوة تعكس استمرار المسار الأمني والقضائي الذي تتبعه أنقرة منذ ما يقارب عقدًا من الزمن ضد الحركة.
تحقيق أنقرة ونمط “الهواتف العمومية”
في التحقيق الأول، أصدر مكتب المدعي العام في أنقرة أوامر توقيف بحق عشرين مشتبهًا بهم في الخامس والعشرين من ديسمبر، بتهمة الانخراط فيما تصفه السلطات بـ”بنية سرية” مزروعة داخل مؤسسات الدولة.
التحقيق استند إلى ما يُعرف بملفات “الهواتف العمومية”، حيث تقول النيابة إن التواصل بين أعضاء الحركة كان يتم عبر هواتف عامة بطريقة متسلسلة، إذ يُفترض أن شخصًا واحدًا يتصل بعدة أرقام متتالية. وبناءً على هذا الافتراض، تُعتبر الأرقام التي تظهر قبل المكالمة الأساسية أو بعدها مرتبطة بدائرة تنظيمية واحدة، رغم عدم امتلاك السلطات تسجيلات لمحتوى المكالمات، واعتمادها فقط على ترتيب الاتصالات.
الوضع الوظيفي للمشتبهين
المعطيات الرسمية تشير إلى أن غالبية المشتبهين في هذا الملف سبق أن أُقيلوا من وظائفهم العامة، فيما لا يزال عدد منهم يعمل داخل مؤسسات الدولة، إضافة إلى شخص واحد لا يشغل أي منصب رسمي. وعلى إثر ذلك، نفذت وحدات مكافحة الإرهاب عمليات متزامنة في ثماني ولايات للقبض على المطلوبين.
تحقيق ثانٍ يوسّع دائرة الاستهداف
في اليوم التالي، السادس والعشرين من ديسمبر، فُتح تحقيق منفصل صدر بموجبه قرار توقيف بحق سبعة عشر شخصًا آخرين، يُشتبه بانتمائهم إلى ما تصفه النيابة بالبنية التنظيمية السرية للحركة، في مؤشر على اتساع نطاق الملاحقات وتعدد مساراتها القضائية.
الجذور السياسية للصراع
تعود جذور المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى نهاية عام 2013، حين طالت تحقيقات فساد شخصيات بارزة في الدولة، من بينها مقربون من الرئيس رجب طيب أردوغان. وقد اعتبر أردوغان تلك التحقيقات محاولة انقلابية ناعمة، وبدأ منذ ذلك الحين حملة واسعة ضد الحركة، بما فيها تصنيفها منظمة إرهابية في منتصف عام 2016، ثم توسيع نطاق الملاحقات عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من العام نفسه، والتي اتهمت أنقرة الحركة بتدبيرها، وهو ما تنفيه الحركة بشكل قاطع.
مرحلة الطوارئ والتطهير الواسع
عقب محاولة الانقلاب، فُرضت حالة الطوارئ وشهدت البلاد واحدة من أوسع حملات الإقصاء المؤسسي في تاريخها الحديث، إذ أُقيل أكثر من مئة وثلاثين ألف موظف حكومي، بينهم آلاف القضاة وأعضاء النيابة، إضافة إلى عشرات الآلاف من العسكريين، بقرارات استثنائية صدرت دون رقابة قضائية أو برلمانية.
أرقام تعكس حجم الاستمرار
وفق أحدث بيانات وزارة العدل، تجاوز عدد المدانين بتهم تتعلق بالانتماء إلى الحركة مئة وستة وعشرين ألف شخص منذ عام 2016، ولا يزال الآلاف منهم خلف القضبان، في حين تتواصل الإجراءات القضائية بحق عشرات الآلاف الآخرين، بينما يبقى عدد كبير قيد التحقيق بعد مرور ما يقارب عشر سنوات على بدء الحملة.
الهجرة القسرية وتداعيات ما بعد الداخل
إلى جانب الاعتقالات والأحكام، دفعت الحملة الأمنية أعدادًا كبيرة من المنتمين أو المتهمين بالانتماء إلى الحركة إلى مغادرة البلاد، هربًا من الملاحقات، ما أضفى على الملف بعدًا دوليًا مستمرًا، يتقاطع مع قضايا اللجوء والحقوق القانونية خارج الحدود التركية.

