في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات الإقليمية وتداعياتها العابرة للحدود، برز تقارب روسي–تركي في المواقف السياسية تجاه الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان على ضرورة وقف فوري لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي لاحتواء الانفجار الجيوسياسي الذي بات يهدد الاستقرار الدولي برمته.
اتصال سياسي في توقيت حرج
جاءت الدعوة المشتركة خلال اتصال هاتفي جمع الزعيمين، في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل النزاع حساسية، مع اتساع رقعة الاشتباكات وتزايد مخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة. وأكد الجانبان أن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تنجح دون الاعتماد على مبدأ التوازن بين الأطراف، مع مراعاة ما وصفته موسكو بـ”المصالح المشروعة” لجميع دول المنطقة، في إشارة إلى ضرورة إشراك مختلف الفاعلين وعدم فرض حلول أحادية.
جذور التصعيد: من ضربات إيران إلى اضطراب النظام الإقليمي
تعود شرارة الأزمة الحالية إلى الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران قبل أكثر من شهر، وهو ما أدى إلى سلسلة من الردود العسكرية المتبادلة، سرعان ما تحولت إلى صراع متعدد الجبهات. هذا التصعيد لم يقتصر على المواجهات العسكرية، بل امتد ليشمل اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الطاقة، فضلاً عن تعطيل طرق النقل الحيوية.
تداعيات تتجاوز الإقليم: الاقتصاد العالمي في دائرة التأثر
اتفق بوتين وأردوغان على أن استمرار التصعيد العسكري يخلّف آثاراً عميقة لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاعات الطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية. ويعكس هذا التقييم إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية بأن النزاعات الحديثة لم تعد محصورة جغرافياً، بل أصبحت تؤثر بشكل مباشر في استقرار الأسواق الدولية وسلاسل التوريد.
البحر الأسود: بؤرة موازية للتوتر
لم يقتصر النقاش بين الزعيمين على الشرق الأوسط، بل شمل أيضاً الوضع الأمني في منطقة البحر الأسود، التي تشهد بدورها حالة من الهشاشة المتزايدة. وأكد الطرفان الحاجة إلى تنسيق مشترك لضمان الاستقرار، في ظل مخاوف من توسع رقعة التهديدات التي قد تطال البنية التحتية الحيوية في المنطقة.
وفي هذا السياق، وجهت موسكو اتهامات إلى أوكرانيا بمحاولة استهداف منشآت الغاز التي تربط روسيا بتركيا، وهو ما يضيف بعداً جديداً للصراع، يتداخل فيه الأمن الطاقي مع الحسابات العسكرية.
البنية التحتية للطاقة تحت النار
أعلنت شركة “غازبروم” أن القوات الروسية تصدت لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف محطة “روسكايا” للضغط، وهي نقطة الانطلاق الرئيسية لخط أنابيب “ترك ستريم”، الذي ينقل الغاز الروسي إلى تركيا ومنها إلى عدة دول أوروبية مثل المجر وصربيا وسلوفاكيا. ويُعد هذا الخط شرياناً استراتيجياً في منظومة الطاقة الأوروبية، ما يجعل أي تهديد له ذا أبعاد سياسية واقتصادية واسعة.
في المقابل، لم يصدر تعليق فوري من كييف، غير أن أوكرانيا كانت قد أقرت مراراً باستهداف منشآت الطاقة الروسية، معتبرة ذلك جزءاً من استراتيجيتها لإضعاف القدرات المالية والعسكرية لموسكو.
حرب الطاقة: سلاح متبادل بين موسكو وكييف
تتواصل الضربات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة بين روسيا وأوكرانيا منذ اندلاع الحرب الشاملة في عام 2022، حيث أدت الهجمات الروسية على الشبكات الكهربائية الأوكرانية إلى انقطاع واسع في الكهرباء والتدفئة، ما أثر على ملايين المدنيين خلال فصول الشتاء القاسية. في المقابل، تسعى كييف إلى نقل المعركة إلى الداخل الروسي عبر استهداف منشآت الطاقة، في محاولة لإحداث توازن ردع غير تقليدي.
تقاطع المصالح بين أنقرة وموسكو
تعكس الدعوة المشتركة لوقف إطلاق النار تقاطعاً واضحاً في المصالح بين تركيا وروسيا، رغم اختلاف موقفيهما في ملفات أخرى. فأنقرة، التي تسعى إلى تعزيز دورها كوسيط إقليمي، تدرك أن استمرار الفوضى يهدد مصالحها الاقتصادية وأمنها الطاقي، بينما ترى موسكو في التهدئة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة.
كما أن تركيز الجانبين على “التسوية التوافقية” يشير إلى رفض ضمني للنهج الغربي القائم على فرض شروط سياسية مسبقة، وهو ما يعكس تحولات أوسع في موازين القوى الدولية.

