في خطوة مفاجئة أثارت جدلاً واسعاً على الساحة الإقليمية، وردت أنباء عن بدء تركيا إعادة تموضع قواتها في شمال سوريا، في مؤشر على انسحاب جزئي أو إعادة توزيع حضورها العسكري. وتأتي هذه التحركات وسط سياق معقد من الضغوط الأمنية والسياسية، مع استمرار تهديدات الجماعات المسلحة على الحدود، وتداعيات الحرب المستمرة في إيران والعراق المجاورة.
من جانب آخر، يواصل الجدل بشأن ما إذا كانت إيران قد أطلقت صاروخاً باتجاه تركيا، بعدما تحدثت تقارير عن دخول صاروخ باليستي إيراني المجال الجوي التركي.
ويرى الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد أن النقاش يدور حول عدة فرضيات. الفرضية الأولى تشير إلى أن الصاروخ كان موجهاً في الأصل نحو القاعدة البريطانية في قاعدة أكروتيري الجوية في جزيرة قبرص، التي تتعرض لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في إطار المواجهة الإقليمية المرتبطة بالحرب مع إيران. ووفق هذه القراءة، فإن الصاروخ ربما انحرف عن مساره ودخل المجال الجوي التركي فوق محافظة هاتاي أثناء توجهه نحو هدفه الأصلي.
في المقابل، ظهرت فرضيات أخرى في بعض التقارير الإعلامية تفترض أن الصاروخ ربما كان موجهاً نحو أهداف داخل تركيا، مثل قاعدة “إنجرليك” الجوية العسكرية الأمريكية في آضنة أو منشآت الطاقة المرتبطة بخط أنابيب خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، ولا سيما محطة التصدير في جيهان على البحر المتوسط، التي تعد نقطة رئيسية لتصدير النفط وتغذية الأسواق الإقليمية بما فيها إسرائيل بالطاقة.
أما طهران فقد نفت إرسال أي صاروخ باتجاه تركيا، لكنها في الوقت ذاته لم تستبعد احتمال مرور صاروخ أطلق باتجاه قبرص عبر المجال الجوي التركي.
قراءة أوسع لاستراتيجية إيران العسكرية
بحسب تحليل عمر مراد، فإن التركيز على حادثة الصاروخ وحدها قد يحجب الصورة الأشمل. فاستراتيجية إيران في الحرب الجارية لا تقوم عادة على إطلاق صاروخ منفرد نحو هدف معين، بل تعتمد على هجمات متزامنة وكثيفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف متعددة.
خلال الأيام الأولى من الحرب، تعرضت عدة دول في المنطقة لضربات أو تهديدات متكررة، بينها الأردن والسعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، حيث طالت الهجمات قواعد أميركية وبنى تحتية تعتبرها طهران مرتبطة بالمصالح الأميركية أو الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، يشير مراد إلى أن إيران لم تنفذ حتى الآن هجمات واسعة النطاق ضد أهداف تركية مثل قاعدة إنجرليك أو محطة الرادار التابعة لحلف حلف شمال الأطلسي في كورجيك، أو البنية التحتية لخط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، ما يدعم فرضية أن حادثة الصاروخ كانت استثنائية وليست جزءاً من حملة عسكرية ضد تركيا.
ضربة المسيّرة في ناخيتشيفان ورسالة إلى أذربيجان
في تطور آخر لافت، استهدفت طائرة مسيّرة إيرانية مطار ناخيتشيفان الدولي.
ويرى عمر مراد أن هذه الضربة تحمل دلالات سياسية وعسكرية مهمة، إذ تقع ناخيتشيفان بعيداً عن مناطق القتال المباشر. ويشير إلى أن إيران قد تكون أرادت توجيه رسالة تحذير إلى أذربيجان بسبب علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، خاصة في المجالين العسكري والاستخباراتي.
فإسرائيل قدمت دعماً عسكرياً وتقنياً مهماً لباكو خلال صراعها مع أرمينيا، وهو ما تعتبره طهران تهديداً مباشراً لأمنها الإقليمي. وبحسب مراد، قد تكون الضربة رسالة مفادها أن أي مشاركة أذربيجانية، حتى لو كانت غير مباشرة، في عمليات ضد إيران قد تقابل برد يستهدف البنية التحتية الحيوية للدولة.
ضغط أميركي على القيادات الكردية
في سياق متصل بالحرب، يشير مراد إلى تقارير تحدثت عن اتصالات أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قادة أكراد في شمال العراق، بينهم مسعود بارزاني وبافل طالباني، بهدف إقناعهم بالمشاركة في عمليات ضد إيران.
وتفيد هذه التقارير بأن ترامب طرح على القادة الأكراد خياراً حاداً مفاده الاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو مع إيران، وهو ما يضع القيادات الكردية أمام معادلة معقدة في ظل تاريخ طويل من التحالفات المتقلبة مع القوى الكبرى.
ذاكرة تاريخية من التحالفات المتقلبة
يذكّر عمر مراد بأن التجربة التاريخية للأكراد مع القوى الدولية كانت مليئة بالتقلبات. فقد شهدت إيران في أربعينيات القرن الماضي قيام جمهورية مهاباد بدعم سوفييتي، لكنها انهارت بعد أقل من عام عندما سحبت الاتحاد السوفيتي دعمها وتوصلت إلى تفاهم مع إيران.
كما شهدت سبعينيات القرن الماضي دعماً أميركياً وإسرائيلياً وإيرانياً لتمرد كردي ضد نظام صدام حسين في العراق، قبل أن يتوقف الدعم فجأة بعد تفاهمات سياسية بين القوى الإقليمية، ما أدى إلى هزيمة التمرد ووقوع عمليات قمع واسعة.
انسحاب تركي مفاجئ من مناطق في سوريا
من التطورات اللافتة أيضاً، بحسب تحليل مراد، إعلان مسؤولين محليين في تركيا عن انسحاب قوات تركية من مناطق في شمال سوريا، ولا سيما من مناطق عملية نبع السلام.
ويشير مراد إلى أن إعلان الانسحاب جاء عبر سلطات محلية بدلاً من وزارة الدفاع، وهو أمر يراه لافتاً سياسياً. ويضيف أن الحكومة التركية كانت قد أكدت سابقاً أنها لن تنسحب من سوريا قبل انتهاء ما تصفه بالتهديدات المرتبطة بالقوات الكردية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مناطق واسعة شمال شرق سوريا تحت سيطرة قوات كردية، في ظل استمرار الخلاف حول شكل النظام السياسي الذي سيحكم تلك المناطق داخل الدولة السورية.
احتمالات إعادة رسم التوازنات في سوريا
يرى مراد أن التطورات الحالية قد ترتبط بمحاولات أميركية لإقناع القوى الكردية بأن واشنطن ما تزال تدعم حصولها على شكل من أشكال الإدارة الذاتية داخل سوريا.
ويشير إلى أن هذه الرسائل قد تكون مرتبطة أيضاً بمحاولات حشد دعم كردي محتمل لأي تحركات عسكرية أو سياسية ضد إيران، على غرار ما حدث في العراق وسوريا في مراحل سابقة.
شكوك إقليمية حول أهداف الحرب على إيران
في المقابل، تتزايد الشكوك في بعض العواصم الإقليمية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني عبر الضربات الجوية وحدها.
وفي هذا السياق، عبّر الأمير السعودي السابق تركي الفيصل عن اعتقاده بأن احتمال إسقاط النظام في إيران عبر هذه العمليات ضعيف، محذراً من أن الهجمات قد تجعل دول الخليج أكثر عرضة للرد الإيراني.
كما أشار إلى أن بعض الروايات الإعلامية التي تحدثت عن تشجيع دول الخليج للولايات المتحدة على شن الهجوم قد تكون جزءاً من حملات تضليل إعلامي مرتبطة بالصراع الإقليمي.
تداعيات الحرب على أسواق الطاقة العالمية
الحرب في الخليج تترك أيضاً آثاراً مباشرة على أسواق الطاقة، خاصة مع المخاوف المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، وهو أحد أهم ممرات النفط في العالم.
ويشير مراد إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل ضغطاً سياسياً على إدارة ترامب، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات في الولايات المتحدة.
فرصة استراتيجية لروسيا في سوق الطاقة
في هذا السياق، يرى مراد أن الحرب قد تمنح روسيا فرصة لاستعادة نفوذها في سوق الطاقة الأوروبية.
فمع ارتفاع أسعار النفط والغاز واضطراب الإمدادات، قد تضطر أوروبا إلى إعادة النظر في بعض القيود المفروضة على الطاقة الروسية، خاصة إذا استمرت الأزمة في الشرق الأوسط وازدادت الضغوط على الإمدادات العالمية.
خلاصة
يشير تحليل الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد إلى أن حادثة الصاروخ الإيراني فوق تركيا قد تكون حادثة عرضية في سياق حرب إقليمية أوسع تتشابك فيها حسابات الطاقة والتحالفات العسكرية. كما تكشف التطورات المتسارعة عن إعادة رسم محتملة للتوازنات في الشرق الأوسط، من سوريا والعراق إلى الخليج والقوقاز.

