تشهد سوق السيارات في تركيا تحولًا ملحوظًا نحو التباطؤ، مع توقعات بأن تتراجع مبيعات شهر مارس إلى ما بين 97 ألفًا و100 ألف وحدة، في انخفاض لافت مقارنةً بمستويات العام الماضي التي سجلت رقمًا قياسيًا بلغ 116,900 مركبة من سيارات الركاب والمركبات التجارية الخفيفة. هذا التراجع يعكس بداية مرحلة أكثر حذرًا في سلوك المستهلكين والشركات على حد سواء.
تداعيات الحرب الإقليمية على الطلب
أدى التصعيد العسكري الذي اندلع عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير إلى موجة من الاضطرابات الاقتصادية، كان لها تأثير مباشر على سوق السيارات. فقد ساهم ارتفاع أسعار النفط في زيادة تكاليف التشغيل والإنتاج، بينما عززت حالة عدم اليقين الإقليمي من توجه المشترين إلى تأجيل قرارات الشراء، سواء من الأفراد أو شركات الأساطيل.
الطاقة والتضخم: ضغوط متصاعدة على الأسعار
تشير المعطيات إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود انعكس بشكل متسلسل على مختلف حلقات القطاع، بدءًا من الإنتاج وصولًا إلى النقل والتأمين. وفي هذا السياق، أكد بولنت كليشر، نائب رئيس شركة هوندا تركيا، أن السوق بدأت بالفعل تظهر مؤشرات تباطؤ، رغم استمرار الحملات الترويجية وعدم رفع الأسعار حتى الآن.
غير أنه حذر من أن الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة قد يدفعان الموزعين إلى زيادة الأسعار خلال الفترة المقبلة، ما قد يفاقم من ضعف الطلب.
تراجع التوقعات وتبدل حسابات السوق
من جانبه، أوضح ألب غولان، رئيس مجلس إدارة شركة غولان أوتوموتيف، أن التوقعات الأولية لمبيعات مارس كانت أكثر تفاؤلًا، مع تقديرات بتجاوز 100 ألف وحدة، إلا أن اندلاع الحرب غيّر هذه المعادلة بشكل سريع، لتتراجع التوقعات إلى ما دون هذا المستوى.
كما لفت إلى عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تشديد شروط التمويل، حيث أدى ارتفاع معدلات الفائدة على القروض التجارية من نحو 36–37% إلى 42–43% إلى إحجام شركات الأساطيل عن الشراء، بعد أن كانت تؤجل قراراتها انتظارًا لانخفاض الفائدة.
مؤشرات سلبية سبقت التباطؤ الحالي
لم يكن التراجع مفاجئًا بالكامل، إذ أظهرت بيانات شهر فبراير انخفاضًا سنويًا في مبيعات سيارات الركاب والمركبات التجارية الخفيفة بنسبة 2.97% لتصل إلى 88,039 وحدة، وفق بيانات جمعية موزعي السيارات والتنقل. ما يشير إلى أن السوق كانت بالفعل في مسار تباطؤ قبل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
تحول تدريجي نحو السيارات الكهربائية
في ظل ارتفاع تكاليف الوقود، بدأت الشركات، لا سيما تلك التي تدير أساطيل كبيرة، في إعادة توجيه استثماراتها نحو السيارات الكهربائية كخيار أكثر استدامة من حيث التكلفة التشغيلية. هذا التحول قد يشكل أحد أبرز الاتجاهات الهيكلية في السوق خلال المرحلة المقبلة.
مخاطر إضافية تلوح في الأفق
إلى جانب العوامل الحالية، يواجه القطاع مجموعة من المخاطر المحتملة، أبرزها تصاعد تكاليف المواد الأولية، خاصة المكونات المرتبطة بالبتروكيماويات والبلاستيك، واحتمال حدوث نقص في أشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية)، ما قد يعطل الإنتاج، فضلا عن بوادر ركود في سوق السيارات المستعملة، وهو مؤشر إضافي على ضعف الطلب العام.
سوق بين صدمة خارجية واختلالات داخلية
يرى مرافبون أن التباطؤ الحالي يكشف عن هشاشة نسبية في سوق السيارات التركية، التي تتأثر بشكل مزدوج بعوامل خارجية، مثل تقلبات أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، وعوامل داخلية، أبرزها التضخم المرتفع وتشديد السياسة النقدية.
وفي حين تحاول الشركات الحفاظ على مستويات المبيعات عبر الحملات الترويجية، فإن استمرار الضغوط قد يدفع السوق إلى مرحلة تصحيح أعمق، تتسم بارتفاع الأسعار وتراجع الطلب، مقابل تسارع التحول نحو بدائل أقل تكلفة مثل السيارات الكهربائية.

