قررت محكمة تركية في إسطنبول تأجيل محاكمة أربعة صحفيين، بينهم مصور وكالة الأنباء الفرنسية ياسين أكغول، الذين يواجهون اتهامات تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات بسبب تغطيتهم للاحتجاجات التي اندلعت في مارس الماضي عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
الصحفيون الأربعة — ياسين أكغول، وعلي أونور توسون من قناة “ناو خبر”، والمستقلان بولنت كليتش وزينب كوراي — اعتُقلوا في مداهمات فجرية يوم الرابع والعشرين من مارس، أي بعد أيام من انطلاق مظاهرات واسعة في إسطنبول ومدن تركية أخرى تنديداً بسجن إمام أوغلو.
السلطات وجهت إليهم تهمة “مخالفة قانون الاجتماعات العامة” الذي يُقيد تنظيم المظاهرات في تركيا، وهو القانون نفسه الذي استُخدم ضد آلاف المحتجين الموقوفين خلال تلك الأحداث.
شهادات الصحفيين أمام المحكمة: “كنا نغطي الحدث لا نشارك فيه”
أكغول، البالغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، قال أمام هيئة المحكمة إنه يعمل في الصحافة منذ خمسة عشر عاماً ولم يتعرض من قبل لاعتقال بهذا الشكل المهين. وأوضح أنه كان يسير أمام المتظاهرين برفقة رجال الشرطة ليحصل على صورة أفضل، مؤكداً أنه لم يشارك في التظاهرات وإنما كان يؤدي عمله المهني.
من جانبه، طالب محامي الدفاع كمال كومكوم أوغلو ببراءة موكله فوراً، مؤكداً أن الصحفيين الأربعة “لم يرتكبوا أي مخالفة قانونية”، وأن ما حدث هو “تجريم واضح لممارسة الصحافة”.
موقف القضاء وتأجيل الجلسة
القاضي قرر تأجيل الجلسة إلى السابع والعشرين من نوفمبر، ما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الحقوقية والإعلامية التي اعتبرت القرار محاولة لإطالة أمد القضية دون مبرر قانوني.
ردود الفعل الدولية: دعوات لإسقاط التهم
وكالة الأنباء الفرنسية اعتبرت الاتهامات الموجهة لمصورها “بلا أساس قانوني”، مؤكدة تمسكها بحرية الصحافة وحماية الصحفيين حول العالم. وطالبت بالإفراج الفوري عن أكغول وزملائه وإسقاط التهم عنهم، مشيرة إلى أن تغطية الأحداث العامة “ليست جريمة بل واجب مهني”.
من جانبها، وصفت منظمة “مراسلون بلا حدود” المحاكمة بأنها محاولة “لتغطية عنف الشرطة” أثناء الاحتجاجات التي شهدتها تركيا في مارس، مؤكدة أن “تجريم الصحفيين باعتبارهم ناشطين نهج غير قانوني يجب أن يتوقف”.
سياق سياسي مشحون: احتجاجات غير مسبوقة منذ عقد
الاحتجاجات التي تزامنت مع اعتقال إمام أوغلو اعتُبرت الأوسع منذ حركة “غيزي بارك” عام 2013، وامتدت إلى مدن عدة مثل أنقرة وإزمير وبورصة، لتتحول إلى موجة رفض شعبي واسعة ضد ما تصفه المعارضة بأنه “تسييس القضاء”.
وكان إمام أوغلو قد اعتُقل رسمياً على خلفية تحقيق في قضايا فساد تتعلق ببلدية إسطنبول، إلا أن المعارضة ترى أن القضية سياسية في جوهرها، هدفها تقييد أحد أبرز رموز حزب الشعب الجمهوري وإقصاؤه قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2028.
ويُنظر إلى إمام أوغلو على نطاق واسع باعتباره المنافس الأقوى للرئيس رجب طيب أردوغان، خاصة بعد أن نجح في انتزاع رئاسة بلدية إسطنبول مرتين من حزب العدالة والتنمية الحاكم رغم محاولات متكررة لإلغاء فوزه.
حرية الصحافة في تركيا بين القيود والاتهامات
القضية الجديدة تضاف إلى سلسلة من المحاكمات التي تستهدف الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي بتركيا، حيث تشير المنظمات الحقوقية إلى تراجع حرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة وارتفاع عدد الموقوفين بتهم تتعلق بعملهم المهني.
ويرى مراقبون أن تضييق الخناق على الإعلام يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة صياغة الخطاب العام وتقييد نقل صور الاحتجاجات أو النقد الموجه للسلطة، خصوصاً في ظل التوتر السياسي المتصاعد بين الحكومة والمعارضة عقب الانتخابات المحلية لعام 2024 التي شهدت تراجعاً كبيراً لحزب العدالة والتنمية.

