في دورة اتسمت بشحنة سياسية غير مسبوقة، تحوّل مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى منصة مفتوحة للنقاش حول حرية التعبير، والعدالة الدولية، وحدود التداخل بين الفن والمواقف السياسية. وبينما اعتادت “البرليناله” أن تجمع بين الحس الفني والنقاش العام، فإن نسخة هذا العام دفعت بذلك إلى أقصى حدوده، واضعة تركيا وغزة في مركز الاهتمام العالمي.
الدب الذهبي لفيلم عن القمع السياسي في تركيا
حصد فيلم “رسائل صفراء” للمخرج الألماني التركي الأصل إلكر تشاتاك جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم، مقدماً دراما سياسية تدور أحداثها في تركيا حول مخرج وزوجته الممثلة، يُمنعان فجأة من العمل بسبب مواقفهما السياسية.
الفيلم، وإن صُوّر في ألمانيا، يتخذ من تركيا مسرحاً سردياً، في إشارة مقصودة إلى أن التهديدات التي تطال الحريات الفنية والسياسية ليست حكراً على دولة بعينها. هذه المقاربة العابرة للحدود منحت العمل بعداً أوروبياً تحذيرياً، خاصة في ظل تصاعد النقاشات داخل القارة حول تراجع المعايير الديمقراطية.
رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، وصف الفيلم بأنه “نبوءة مخيفة” لما قد يشهده المستقبل القريب حتى في دول تعتبر نفسها راسخة ديمقراطياً، في تعليق يعكس القلق الأوروبي المتزايد من انحسار مساحات الحرية.
السياق التركي يمنح الفيلم ثقله السياسي، إذ لا يزال الجدل محتدماً حول استقلال القضاء وحرية الإعلام، في ظل استمرار محاكمات شخصيات معارضة بارزة، وفي مقدمتهم رئيس بلدية إسطنبول المسجون أكرم إمام أوغلو، الذي تحوّل اسمه إلى رمز للصراع بين السلطة والمعارضة.
جائزة لجنة التحكيم الكبرى… تضامن صريح مع المعارضة التركية
جائزة الدب الفضي الكبرى ذهبت إلى فيلم “الخلاص” للمخرج التركي أمين ألبير، وهو عمل مستلهم من قصة حقيقية حول نزاع دموي على الأراضي التركية بين عشيرتين في قرية جبلية نائية.
الفيلم، رغم طابعه المحلي، قُرئ بوصفه استعارة سياسية عن الصراع على السلطة وانقسام المجتمع وتآكل العدالة. وفي خطاب تسلّمه الجائزة، عبّر ألبير صراحة عن تضامنه مع شخصيات معارضة مسجونة في تركيا، في مقدمتهم إمام أوغلو، مؤكداً أن العدالة لا يمكن أن تُختزل في موازين القوة.
ولم يقتصر خطابه على الشأن التركي، إذ أعلن دعمه لما وصفه بمعاناة الإيرانيين تحت “الاستبداد”، والأكراد في روج آفا والشرق الأوسط الذين “يناضلون من أجل حقوقهم منذ قرن”، والفلسطينيين في غزة الذين “يعيشون ويموتون في أكثر الظروف قسوة”.
هذا التداخل بين المحلي والإقليمي عكس اتجاهاً متنامياً في السينما التركية المعاصرة، حيث يتحول العمل الفني إلى أداة قراءة سياسية عابرة للحدود.
غزة في قلب الجدل… اتهامات وردود
لم يكن ألبير الصوت الوحيد المتضامن مع الفلسطينيين. فقد فاز المخرج السوري الفلسطيني عبد الله الخطيب بجائزة أفضل عمل أول عن فيلمه “وقائع من الحصار”.
ظهر الكوفية على كتفه أثناء تسلمه الجائزة، ووجّه خطاباً مباشراً إلى الحكومة الألمانية، متهماً إياها بالشراكة في “الإبادة في غزة من قبل إسرائيل”. تصريحاته قوبلت بتصفيق حاد من بعض الحضور، وهتافات معترضة من آخرين، في مشهد جسّد الانقسام العميق الذي خيّم على المهرجان.
مديرة المهرجان تريشيا تاتل أقرت بأن الدورة كانت “مشحونة عاطفياً”، في إشارة إلى الجدل المتواصل حول مدى انخراط المؤسسات الثقافية في القضايا السياسية، خاصة الحرب في غزة.
الجدل تصاعد منذ المؤتمر الصحافي الافتتاحي، حين تجنب فيم فيندرز الخوض في موقف الحكومة الألمانية الداعم لإسرائيل، قائلاً إنهم “لا يستطيعون دخول ميدان السياسة”. تصريح اعتبره البعض تهرباً، وأثار موجة انتقادات واسعة.
الكاتبة الهندية الحائزة جوائز أرونداتي روي انسحبت من المهرجان، ووصفت تصريحاته بأنها “صادمة وغير مقبولة”. كما وقّع عشرات من رموز الصناعة السينمائية، بينهم خافيير بارديم وتيلدا سوينتون والمخرج آدم مكاي رسالة مفتوحة تنتقد “صمت المهرجان” وتتهمه بالتواطؤ في “إسكات” الفنانين المعارضين للسياسات الإسرائيلية.
في المقابل، رفضت الإدارة تلك الاتهامات بشكل قاطع، فيما عاد فيندرز ليؤكد أن “لغة السينما تعاطفية، بينما لغة وسائل التواصل فعّالة”، متسائلاً عما إذا كان من الضروري أن تتصادم اللغتان.
جوائز فنية خارج العاصفة السياسية
رغم الطابع السياسي الطاغي، لم تغب الإنجازات الفنية. الممثلة الألمانية ساندرا هولّر نالت الدب الفضي لأفضل أداء عن دورها في فيلم “روز” للمخرج ماركوس شلاينزر، وهو عمل أبيض وأسود يتناول قصة امرأة تتقمص هوية رجل في ألمانيا القرن السابع عشر هرباً من قيود النظام الأبوي.
فيلم “ملكة في البحر” للمخرج الأمريكي لانس هامر، بطولة جولييت بينوش، حصد جائزتين، من بينها جائزة لجنة التحكيم. العمل يتناول الأثر المدمر لمرض ألزهايمر على المحيط العائلي، في معالجة إنسانية لثيمة الفقد التدريجي.
كما تقاسم الممثلان المخضرمان توم كورتني وآنا كالدير-مارشال جائزة أفضل أداء مساعد عن الفيلم ذاته.
أما جائزة أفضل إخراج فذهبت إلى غرانت جي عن فيلمه “الجميع يعشق بيل إيفانز”، وهو سيرة سينمائية بالأبيض والأسود لعازف الجاز الأسطوري.
, عندما تتحول المنصات الثقافية إلى ساحات اختبار
ما جرى في برلين يعكس تحوّلاً أعمق في المشهد الثقافي الأوروبي. فالمهرجانات لم تعد فضاءات عرض فني فحسب، بل باتت منصات اختبار لمواقف أخلاقية وسياسية، في زمن تتقاطع فيه الحروب مع الفضاءات الرقمية، وتتحول الخشبة إلى منبر احتجاج.
الحضور التركي الكثيف، سواء في الأفلام أو في الخطابات، أعاد تسليط الضوء على ملف الحريات في تركيا، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات السياسية المقبلة وإلى مستقبل المعارضة. في المقابل، فجّر ملف غزة نقاشاً حاداً داخل ألمانيا نفسها، حيث يتداخل التاريخ مع الحاضر في رسم حدود التعبير.
النتيجة أن برلين هذا العام لم تكرّس فقط أفلاماً، بل كرّست سؤالاً مركزياً: هل يمكن للسينما أن تبقى محايدة في عالم تتآكل فيه اليقينيات؟
الخلاصة
تحولت برليناله إلى مرآة لصراعات العصر، حيث التقت قضية الحريات في تركيا بجدل غزة داخل منصة ثقافية عالمية. الجوائز الفنية لم تنفصل عن السياق السياسي، بل جاءت محمولة عليه.

