تتجه الأنظار إلى التاسع من آذار/مارس، موعد بدء واحدة من أضخم المحاكمات السياسية في تركيا الحديثة، حيث يمثل رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو أمام القضاء في قضية فساد تضم 407 متهمين.
المحاكمة تأتي بينما يقبع إمام أوغلو في السجن منذ نحو عام، في سياق تصعيد قضائي تصفه منظمات حقوقية بأنه يهدف إلى إبعاده عن المشهد السياسي، في حين تؤكد الحكومة أن الإجراءات تستند إلى اتهامات جنائية خطيرة لا علاقة لها بالتنافس الحزبي.
من صعود انتخابي إلى مسار قضائي معقد
إمام أوغلو، الذي حقق فوزاً لافتاً في انتخابات بلدية إسطنبول عام 2019، تحول تدريجياً إلى أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان. وفي آذار/مارس 2025، أمرت محكمة بسجنه احتياطياً، قبل أيام من تثبيته رسمياً مرشحاً رئاسياً عن حزب الشعب الجمهوري، ما عدّته المعارضة نقطة تحول في مسار التنافس السياسي.
الانتخابات المحلية في آذار/مارس 2024 كانت قد أظهرت تقدماً للحزب المعارض بحصوله على 37.8 في المئة من الأصوات على المستوى الوطني، متقدماً على حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي نال 35.5 في المئة، وهو ما اعتُبر مؤشراً على تحوّل في المزاج الانتخابي داخل المدن الكبرى.
اتهامات الفساد: بنية تنظيمية أم خصومة سياسية؟
لائحة الاتهام الرئيسية تتهم إمام أوغلو بقيادة ما تصفه النيابة بـ“تنظيم إجرامي” مرتبط بعقود ومناقصات بلدية إسطنبول الكبرى، وتزعم أن الشبكة هدفت إلى إثراء مجموعة من المقربين وبناء نفوذ سياسي داخل الحزب. وفي حال إدانته بجميع التهم، قد يواجه حكماً يصل نظرياً إلى 1929 عاماً من السجن، وهو رقم يعكس تعدد البنود الجنائية الموجهة إليه.
غير أن الجدل لا يقتصر على مضمون الاتهامات، بل يمتد إلى طبيعة الأدلة المعروضة. فقد أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن القضية تعتمد بشكل واسع على إفادات خمسة عشر شاهداً مجهولي الهوية بالنسبة لهيئة الدفاع، إضافة إلى شهادات ستة وسبعين متهماً وافقوا على التعاون مقابل احتمال تخفيف العقوبات. المنظمة اعتبرت أن هذا النمط من الأدلة، إلى جانب تصريحات علنية صادرة عن مدعين عامين وعن أردوغان نفسه بشأن إمام أوغلو وحزبه، يثير تساؤلات جدية حول ضمانات المحاكمة العادلة.
قضية تجسس كـ“شبكة أمان” قضائية
بالتوازي مع ملف الفساد، أصدرت محكمة أمراً ثانياً بحبس إمام أوغلو في إطار تحقيق منفصل بتهمة التجسس في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر. وجرى توجيه لائحة اتهام في الرابع من شباط/فبراير بحقه وثلاثة آخرين، على أن تبدأ المحاكمة في الحادي عشر من أيار/مايو، مع احتمال عقوبة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين عاماً في حال الإدانة.
ترى هيومن رايتس ووتش أن قرار التوقيف الثاني يشكل “ضمانة احتياطية” لإبقائه خلف القضبان حتى لو طرأت تطورات قانونية في قضية الفساد. كما لفتت إلى سجن محامي الدفاع الخاص به بصفته متهماً في القضية ذاتها، معتبرة أن ذلك يندرج ضمن ضغوط تمس حق الدفاع.
الاتهامات الأوسع: “تسييس القضاء” ومخاوف أوروبية
المنظمة الحقوقية اعتبرت أن النمط العام للقضايا المرفوعة ضد بلديات المعارضة وقيادات حزب الشعب الجمهوري يوحي بـ“غرض غير مشروع” تحظره المادة 18 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تمنع استخدام القيود القانونية لتحقيق أهداف سياسية. هذه الإشارة تضع الملف في سياق أوسع يتعلق بعلاقة أنقرة بالمؤسسات الأوروبية وبملف سيادة القانون.
في المقابل، تؤكد الحكومة التركية أن القضاء مستقل، وأن محاكمة إمام أوغلو شأن قانوني بحت، مشيرة إلى أن التحقيقات بدأت بناء على شبهات موثقة تتعلق بإدارة المال العام.
أبعاد سياسية وانتخابية
توقيت المحاكمة وحجمها يضفيان عليها طابعاً سياسياً واضحاً في نظر مراقبين. فإمام أوغلو يُعد أحد أبرز الوجوه القادرة على توحيد طيف واسع من المعارضة، كما أن إسطنبول تمثل ثقلاً انتخابياً واقتصادياً حاسماً. استمرار احتجازه يطرح تساؤلات حول شكل المنافسة الرئاسية المقبلة، وإمكانية إعادة رسم خريطة التحالفات داخل المعارضة.
كما أن اتساع نطاق الملاحقات القضائية ليشمل رؤساء بلديات وقيادات حزبية يضع حزب الشعب الجمهوري أمام تحدي إدارة معركة سياسية وقانونية في آن واحد، وسط بيئة داخلية تشهد استقطاباً حاداً.
بين القانون والسياسة: اختبار للديمقراطية التركية
المحاكمة المرتقبة لا تمثل مجرد نزاع قضائي، بل اختباراً لمفهوم الفصل بين السلطات في تركيا. فإذا تمكنت السلطة القضائية من إدارة إجراءات شفافة تضمن حقوق الدفاع وتكافؤ الفرص، فقد تخفف من حدة الجدل. أما إذا تعززت الانطباعات بوجود توظيف سياسي للقضاء، فقد يؤدي ذلك إلى تداعيات داخلية وخارجية أوسع، في ظل حساسية ملف الحريات وسيادة القانون في علاقات أنقرة الدولية.
خلاصة
محاكمة أكرم إمام أوغلو تمثل لحظة مفصلية في المشهد السياسي التركي، حيث تتقاطع اتهامات الفساد والتجسس مع رهانات الرئاسة المقبلة. وبين تأكيدات الحكومة باستقلال القضاء وتحذيرات حقوقية من “تسييس العدالة”، يبقى مسار المحاكمة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الحياة الديمقراطية في البلاد.

