أثار اللقاء الذي جمع وفدًا برلمانيًا تركيًّا بزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجنه بجزيرة إيمرالي موجة واسعة من الجدل السياسي، خصوصًا بعد إعلان زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي دعمه الصريح لهذه الخطوة، واعتباره اللقاء “تطورًا تاريخيًا” مهما قيل إنه يخالف الدستور أو يفتقر للغطاء القانوني.
ويأتي هذا التطور في مرحلة سياسية حساسة تشهدها تركيا بعد إعلان حزب العمال الكردستاني إنهاء العمل المسلح، وإطلاق عملية سياسية جديدة تديرها لجنة برلمانية واسعة التمثيل.
صراع مستمر ومساعٍ جديدة لمرحلة ما بعد النزاع
يمتد النزاع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني لسنوات طويلة، وأودى بحياة عشرات الآلاف، بينما لا يزال مصنفًا كمنظمة إرهابية لدى أنقرة وحلفائها الغربيين. ورغم تعثر المسار السلمي السابق عام 2015، تعود اليوم إشارات خجولة تُظهر محاولة إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والحركة الكردية في إطار “ما بعد النزاع”، بعد إعلان الحزب وقف إطلاق النار وتفكيك بنيته القتالية خلال العام الجاري.
اللجنة البرلمانية الجديدة
تضطلع لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، المؤلفة من واحد وخمسين عضوًا، بإدارة العملية السياسية الجديدة. وقد أنشأها البرلمان في أغسطس بهدف الإشراف على الانتقال السياسي بعد إعلان الحزب نهاية حملته المسلحة.
زيارة إيمرالي: وفد ثلاثي يعبر الخطوط الحساسة
شارك في الزيارة نائب واحد عن كل من: حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحزب الحركة القومية،
حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب. في المقابل امتنعت أحزاب المعارضة الرئيسية، مثل حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير، عن إرسال ممثلين. وعبّر حزب الشعب الجمهوري عن رفضه لاتخاذ قرار بهذه الحساسية بعيدًا عن النقاش العلني، بينما هاجم حزب الخير الخطوة بشدة ودعا المواطنين إلى محاسبة الحكومة.
أجندة الزيارة ونتائجها الأولية
أكّد رئيس البرلمان لاحقًا أن الوفد التقى أوجلان بالفعل، وأنه عاد إلى أنقرة مزودًا بمحاضر مكتوبة ستُعرض على اللجنة لاستخدامها في المرحلة التالية من العملية السياسية. وتمثل هذه الزيارة أول لقاء رسمي يجمع وفدًا مشتركًا من أحزاب تركية قومية وكردية مع أوجلان منذ انهيار المحادثات السابقة.
بهجلي: لا اعتبار للانتقادات… ولو وصلت إلى “المشنقة”
أعلن بهجلي في خطاب حزبه الأسبوعي أنه لا يعير أي اهتمام للاتهامات بأن اللقاء غير قانوني، مؤكدًا استعداده لتحمل أقسى النتائج “حتى لو وصلت إلى المشنقة”، شرط أن تسهم الخطوة في إنهاء العنف داخل المجتمع التركي.
أوجلان ركيزة في مشروع “تركيا بلا إرهاب”
ربط بهجلي بين اللقاء ومشروع الحكومة لإنشاء “تركيا خالية من الإرهاب”، وهو المفهوم الذي تستخدمه السلطة لوصف خطتها لإنهاء النزاع دون العودة إلى إطار التفاوض القديم الذي انهار عام 2015. ويرى بهجلي أن أوجلان، رغم سجنه منذ 1999، يبقى الفاعل الأكثر تأثيرًا على المسار الكردي.
تضارب تصريحات ممثل حزب العدالة والتنمية
أثار نائب الحزب الحاكم في الوفد، حسين يايمان، حالة من الارتباك حين نفى في البداية مشاركته في الزيارة، قبل أن يتراجع ويؤكد حضوره. وقد فتح هذا التضارب باب الأسئلة حول تباينات داخلية في صفوف التحالف الحاكم بين العدالة والتنمية والحركة القومية.
غياب الخبر عن الصحف الموالية
لم تُبرز عدة صحف محسوبة على الحكومة الخبر في صفحاتها الأولى، في مؤشر يربطه محللون بحساسية الموضوع لدى القاعدة المحافظة والقومية للحزب الحاكم، التي تعارض أي شكل من أشكال التواصل مع قيادة حزب العمال الكردستاني.
آفاق العملية: لجنة تستعد للمرحلة التشريعية
من المنتظر أن تجتمع اللجنة البرلمانية مجددًا لدراسة محاضر اللقاء وصياغة مقترحات تشريعية تتعلق بإطار تركيا في مرحلة ما بعد النزاع، في وقت تتباين فيه الردود بين من يراها فرصة انتقال جديدة، ومن يعتبرها مجازفة سياسية محفوفة بالغموض.

