أثار زعيم حزب الحركة القومية المتحالف مع الرئيس رجب طيب أردوغان، دولت بهتشلي، جدلاً واسعاً بدعوته المفاجئة إلى تأسيس تحالف ثلاثي يضم تركيا وروسيا والصين، في مواجهة ما وصفه بـ”التحالف الشرير بين الولايات المتحدة وإسرائيل”.
ورغم ما قد يبدو في ظاهر الأمر تحولاً في مسار السياسة الخارجية، يرى الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد، في مقاله بموقع “توركيش مينوت”، أن هذه الدعوة تحمل أبعاداً داخلية أكثر منها استراتيجية، وتكشف عن صراع خفي يتصاعد بين بهتشلي وأردوغان.
تركيا بين التحالفات الغربية والضغوط الداخلية
تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، ما زالت تحافظ على روابطها الوثيقة مع الغرب. وأردوغان نفسه يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما تجسد في لقاء واشنطن الأخير. في هذا السياق، تبدو دعوة بهتشلي للانفتاح على موسكو وبكين أقرب إلى ورقة ضغط على أردوغان، وليست خطوة حقيقية نحو إعادة تموضع جيوسياسي.
جذور الخلاف بين أردوغان وبهتشلي
يشير عمر مراد إلى أن الشرخ بين الرجلين ليس جديداً. فقد برز حين أُلقي القبض على شخصية مافيوية مقربة من بهتشلي، صلاح الدين يلماز، وتعمّق مع قرار أردوغان إبعاد عدد من الضباط المرتبطين بحزب الحركة القومية من مناصب مؤثرة. وردّ بهتشلي آنذاك باتهام غير مباشر للرئاسة بخلق “هياكل موازية” داخل البيروقراطية، في إشارة إلى علاقات أردوغان مع بعض الجماعات الدينية.
وتواصلت التوترات عندما دعم بهتشلي علناً رجل أعمال يخضع لتحقيق قضائي، في وقت انتقد فيه الإعلام الموالي للحكومة التحقيق باعتباره قاصراً. هذه الحوادث، بحسب مراد، عكست تصدع الثقة بين الحليفين.
معركة المعارضة والرئاسة
يضع مراد جذور الأزمة أيضاً في ملف الرئاسة المقبلة، وخاصة ترشح أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، الذي سُجن بتهم فساد اعتبرتها المعارضة مسيسة. أردوغان بدوره يعتبر أن كلا من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية يمثلان امتداداً لـ”الدولة العميقة القديمة” التي يجب ضبطها. لذلك، عمل على ضرب البلديات التابعة للمعارضة، حيث جرى توقيف عدد من رؤساء البلديات في إسطنبول، بمن فيهم إمام أوغلو، كما مارس ضغوطاً على كوادر الحركة القومية داخل مؤسسات الدولة.
وفي موازاة ذلك، حاول أردوغان توجيه مسار المعارضة الداخلية. فقد أُرجئت مؤخراً جلسة قضائية كانت قد تهدد شرعية مؤتمر حزب الشعب الجمهوري الذي أفرز انتخاب أوزجور أوزيل خلفاً لكمال كليتشدار أوغلو. وبحسب التحليلات المقربة من الحكومة، يسعى أردوغان إلى إضعاف المعارضة عبر إزاحة إمام أوغلو ومنع صعود منصور يافاش كمرشح محتمل، مع الدفع بأوزيل كخيار توافقي يمكن أن يقسم صفوف المعارضة.
غزة كورقة ضغط متبادلة
تتزامن هذه المناورات مع تطورات الحرب في غزة، حيث اتهمت لجنة أممية إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. أردوغان رفع سقف خطابه بشأن غزة، لكنه تجنّب مواجهة مباشرة مع ترامب المعروف بدعمه لإسرائيل. بل إن تقارير صحفية كشفت أن أنقرة وعدت بشراء مئات الطائرات من شركة بوينغ مقابل تسهيل لقاء البيت الأبيض، وهو ما أكده ترامب بصورة غير مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما جرى التعتيم على لقاء نجل ترامب في إسطنبول، حيث لم يُطرح ملف غزة بشكل علني.
بهتشلي استغل هذا التناقض؛ فبينما يصف الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما “تحالف شرير”، طالب أردوغان بأن يلقي خطاباً مدوياً في الأمم المتحدة يهز “عروش الطغاة”. وهنا يجد الرئيس التركي نفسه في مأزق، إذ يستعد للظهور مبتسماً إلى جانب ترامب، الخصم الذي صوّره بهتشلي كعدو.
تحالف تكتيكي أم لعبة داخلية؟
تصريحات أردوغان من نيويورك، حين قال إنه “لم يتابع جيداً” دعوة بهتشلي للتحالف مع روسيا والصين، بدت ضعيفة المصداقية وكاشفة في الوقت ذاته. فبهتشلي لا يملك القدرة على تحدي أردوغان بشكل مباشر، لكن تصريحاته الاستفزازية تكشف حجم التصدع داخل التحالف الحاكم.

