حذّر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يفرض ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد التركي، واضعًا تركيا ضمن أكثر الدول عرضة لارتدادات هذا النزاع.
وأوضح البنك في تقييمه الصادر اليوم الخميس أن التأثيرات لا تقتصر على المدى القصير، بل قد تمتد آثارها لفترة أطول من زمن العمليات العسكرية نفسها.
قنوات التأثير: الطاقة والتجارة والتمويل
يرى البنك أن الاقتصاد التركي يواجه مجموعة من المخاطر المتشابكة، تتصدرها الزيادة الحادة في أسعار الطاقة والأسمدة، نتيجة الاضطرابات في الإمدادات العالمية. وتزداد حساسية تركيا لهذه الصدمات بسبب اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة، فضلًا عن علاقاتها التجارية والمالية الوثيقة مع اقتصادات الخليج.
كما أشار التقرير إلى أن تدفقات التجارة والسياحة بدأت تتعرض للاضطراب، وهو ما قد ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي العام، خاصة في القطاعات المرتبطة بالنقل والخدمات.
تشديد الأوضاع المالية ومخاطر رؤوس الأموال
أكد التقرير أن الأوضاع المالية تشهد تشددًا ملحوظًا، مع ارتفاع عوائد السندات في منطقة شرق وجنوب البحر المتوسط، بما في ذلك تركيا. وعلى الرغم من أن تدفقات رؤوس الأموال الخارجة من بعض الاقتصادات، ومنها تركيا، لا تزال ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها، إلا أن البنك حذر من احتمال تسارع هذه التدفقات في حال تدهورت الظروف المالية العالمية.
وفي هذا السياق، لفتت كبيرة الاقتصاديين في البنك، بياتا جافورسيك، إلى أن الصدمات الجيوسياسية قادرة على الانتقال بسرعة عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والأنظمة المالية، مؤكدة أن تداعياتها قد تستمر حتى بعد انتهاء النزاع.
سيناريوهات مقلقة: النفط وسلاسل الإمداد العالمية
وضع التقرير سيناريوهات أكثر تشاؤمًا في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع تعطل سلاسل التوريد. ووفق هذه التقديرات، قد ينخفض النمو الاقتصادي العالمي بما لا يقل عن 0.4 نقطة مئوية، في حين قد يرتفع التضخم بأكثر من 1.5 نقطة مئوية.
كما نبّه إلى أن اضطراب طرق الشحن في منطقة الخليج قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف مدخلات صناعية حيوية، مثل الألمنيوم والكبريت والهيليوم والبتروكيماويات والبلاستيك، ما ينعكس بدوره على تكاليف الإنتاج الصناعي عالميًا.
الزراعة تحت الضغط: مخاطر الأسمدة وسلاسل الإمداد
في تقييم موازٍ، حذّرت مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية التركية من أن أي اضطراب في مضيق مضيق هرمز قد يهدد إمدادات الأسمدة في تركيا، خصوصًا أن دول الخليج توفر ما بين 15 إلى 25 بالمئة من واردات البلاد من الأسمدة النيتروجينية.
وأشارت المؤسسة إلى أن هذا الخلل المحتمل قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، لا سيما للمحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة وعباد الشمس، ما يفاقم الضغوط التضخمية على أسعار الغذاء.
تداعيات أوسع: السياحة والتحويلات المالية
لم تقتصر التحذيرات على القطاعات الإنتاجية، إذ أشار التقرير إلى أن الدول التي تعتمد على السياحة أو التحويلات المالية من دول الخليج قد تواجه مخاطر إضافية، وهو ما ينطبق جزئيًا على الاقتصاد التركي في ظل الروابط الاقتصادية والعمالية مع المنطقة.
خريطة الدول الأكثر عرضة للتأثر
إلى جانب تركيا، حدد البنك مجموعة من الدول التي تُعد الأكثر تعرضًا لتداعيات الصراع، وتشمل مصر، العراق، الأردن، كينيا، لبنان، مولدوفا، منغوليا، مقدونيا الشمالية، السنغال، تونس، وأوكرانيا، في إشارة إلى اتساع نطاق التأثيرات الجيوسياسية للصراع.
سياق إقليمي متصاعد يعمّق الضغوط
تأتي هذه التحذيرات في ظل تصعيد عسكري متواصل في الشرق الأوسط، حيث أدى تبادل الضربات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى زيادة التوتر في الممرات البحرية الحيوية، خصوصًا في الخليج. وقد انعكس ذلك بالفعل في تقلبات أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
خلاصة
تكشف تقديرات البنك الأوروبي عن هشاشة نسبية في الاقتصاد التركي أمام الصدمات الخارجية، خاصة عبر بوابتي الطاقة والتجارة. ومع استمرار التوترات الإقليمية، تزداد احتمالات انتقال الأزمة إلى مستويات أعمق تشمل التضخم والنمو والاستقرار المالي.

