أطلق بلال أردوغان، نجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خطابًا لافتًا أعاد إلى الواجهة الصراع المزمن حول هوية النخبة الثقافية والفكرية في تركيا، معلنًا أن ما وصفه بـ«النخبة الفكرية القديمة» قد جرى تهميشها، بل ويجري إخراجها من المشهد، لصالح تصور جديد يقوم على إنتاج «نخبة وطنية» منسجمة مع سردية الدولة الحالية.
جاءت تصريحات بلال أردوغان خلال حفل توزيع جوائز أُقيم في مقر اتحاد «مأمور-سن»، أحد أكبر اتحادات موظفي القطاع العام، المعروف بقربه الأيديولوجي والتنظيمي من حزب العدالة والتنمية الحاكم، ما أضفى على الخطاب بعدًا سياسيًا يتجاوز كونه رأيًا فكريًا مجردًا.
مناسبة رسمية وسياق أيديولوجي
الفعالية اختتمت برنامج «أكاديمية العالم التركي»، الذي ينظمه اتحاد «مأمور-سن» بالتعاون مع مؤسستين حكوميتين فاعلتين في الخارج، هما وكالة التعاون والتنسيق التركية، ورئاسة أتراك الخارج والمجتمعات ذات الصلة. ويعكس هذا الإطار المؤسسي تداخل الخطاب الثقافي مع سياسات الدولة العابرة للحدود، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة صياغة الهوية التركية في الفضاءين الإقليمي والدولي.
نقد «النخبة القديمة» واتهامها بعقدة الغرب
في خطابه، قدّم بلال أردوغان قراءة تاريخية تمتد من أواخر العهد العثماني إلى الجمهورية الحديثة، معتبرًا أن النخبة الفكرية التقليدية في تركيا تشكّلت على أساس ما وصفه بـ«عقدة نقص تجاه الغرب»، وبقناعة راسخة مفادها أن التقدم لا يتحقق إلا عبر تقليد النموذج الغربي.
وأشار إلى أن هذا التصور سبق حتى الاحتلالات العسكرية، معتبرًا أن «العقول كانت محتلة قبل الأراضي»، في توصيف يعكس رؤية أيديولوجية ترى في التغريب سببًا جوهريًا للتراجع الحضاري وفقدان الهوية.
وسخر بلال أردوغان من محاولات تحقيق التنمية عبر استنساخ الرموز الغربية، مؤكدًا أن تركيا أمضت أكثر من قرنين وهي تحاول تبني «مظهر الحداثة» دون جوهرها، على حد تعبيره، معتبرًا أن هذه التجربة لم تنتج تقدمًا اقتصاديًا أو تقنيًا حقيقيًا.
إعلان مرحلة انتقالية في تشكيل النخبة
ذهب بلال أردوغان أبعد من النقد، حين أعلن صراحة أن تلك النخبة قد تم تهميشها بالفعل، وأن البلاد تعيش مرحلة انتقالية لم تتبلور فيها بعد نخبة بديلة مكتملة. ودعا إلى إنتاج مثقفين يتمتعون بالقبول الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يحملون صفة «الوطنية»، في تعريف يربط القيمة الفكرية بالانسجام مع الهوية الرسمية للدولة.
وربط هذا الطرح بمرحلة أفول الدولة العثمانية، مستشهدًا بقراءات تاريخية تشير إلى أن التراجع الديمغرافي آنذاك أسهم في انتشار أوهام التغريب وفقدان الهوية، وما وصفه بانحدار ثقافي طال المجتمع بأكمله.
صراع ثقافي قديم يتجدد
سرعان ما انتشرت تصريحات بلال أردوغان في وسائل الإعلام التركية، وأعادت إشعال الجدل القديم حول العلمانية والمتدينين، وحول موقع تركيا بين الشرق والغرب. ويأتي هذا الخطاب في امتداد مباشر لنهج سياسي تبناه والده الرئيس أردوغان وحزبه منذ سنوات، يقوم على تفكيك ما يُوصف بـ«المؤسسة القديمة» التي تشكلت في العقود الأولى للجمهورية، والتي ارتبطت بالنخب العلمانية والتعليم الغربي.
وقد استخدمت الحكومة، خاصة في مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، أدوات الدولة لإعادة هندسة البيروقراطية والتعليم والإعلام، عبر إقصاء منتقدين وتعزيز مواقع شخصيات موالية، ما غيّر موازين القوة داخل المجال العام.
توقيت حساس ورسائل سياسية ضمنية
تكتسب تصريحات بلال أردوغان أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ تأتي في ظل موجة من التحقيقات والاعتقالات التي طالت صحفيين ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى شخصيات من عالم الأعمال والفن. ويرى محللون أن هذه العمليات لا تنفصل عن أهداف سياسية أوسع، تهدف إلى إضعاف شبكات منافسة وإعادة تشكيل المجال العام استعدادًا لمرحلة ما بعد أردوغان وتمهيد الطريق أمام بلال أردوغان.
وفي هذا السياق، تُقرأ دعوة بلال أردوغان إلى «نخبة وطنية» باعتبارها جزءًا من معركة السيطرة على المجال الثقافي والفكري، وربما تمهيدًا لسيناريوهات انتقال سياسي يكون فيها دور أكبر لدائرة الرئيس العائلية أو المقربة منه.

