أعاد ظهور اسم «بعل» داخل معطيات مرتبطة بملف جفري إبستين إشعال نقاشات فكرية ولاهوتية تتجاوز حدود الفضيحة الجنائية إلى فضاء الرموز الدينية القديمة. فبحسب ما نُقل عن وجود حساب مصرفي حمل اسم “Baal”، وما تلا ذلك من تصريحات منسوبة لابنة أخيه أنيا ويك حول انتماء عائلي مزعوم إلى «عبادة بعل»، عاد مصطلح موغل في القدم إلى الواجهة، بوصفه علامة محتملة على استمرار تداول رموز من الميثولوجيا الكنعانية في فضاءات النخب المعاصرة.
الكاتب والباحث الأكاديمي التركي أيدوغان وطنداش يرى أن تداول هذا الاسم لا يمكن عزله عن حمولته الرمزية في الذاكرة الدينية للشرق الأدنى القديم، ولا عن تحوّلاته اللاحقة في التراثين اليهودي والمسيحي، ثم في القراءة الإسلامية. فـ«بعل» ليس مجرد اسم عابر، بل مفهوم ارتبط تاريخياً بصراع التوحيد مع الوثنية، ثم تحوّل في بعض اللاهوتيات إلى تمثيل شيطاني للانحراف العقدي.
رواية الانتماء السري: بين الادعاء والسياق
التصريحات المنسوبة إلى أنيا ويك تضمنت سرداً لطقوس مغلقة، وزعماً بأن العائلة كانت تُظهر انتماءً يهودياً علنياً، فيما تمارس في الخفاء طقوساً مرتبطة ببعل، مع إشارات إلى إساءة واستغلال. كما ربطت ويك ما تصفه بـ«عبادة بعل» بفكرة شبكة نخبوية تستخدم الإكراه والابتزاز للهيمنة، وهو ما يُستدعى عادة في أدبيات المؤامرة تحت مسمى «إيلوميناتي».
وطنداش يتعامل مع هذه الادعاءات بوصفها مادة تحليل ثقافي لا إثباتاً تاريخياً، مشدداً على ضرورة الفصل بين الوقائع القضائية المثبتة في قضية إبستين، وبين القراءات الرمزية التي تُسقط على الحدث دلالات ميثولوجية. لكنه يلفت في المقابل إلى أن مجرد عودة الاسم إلى التداول يكشف عن قابلية الرموز القديمة للاستدعاء في لحظات الأزمات الأخلاقية الكبرى.
بعل في التاريخ الديني للشرق الأدنى
في المصادر القديمة، ارتبط «بعل» بعبادات فينيقية-كنعانية ذات طابع زراعي-خصبي. وتُظهر النصوص التوراتية صراعاً حاداً بين أنبياء بني إسرائيل وبين هذه العبادة. هنا يبرز اسم النبي إلياس بوصفه الشخصية المركزية في هذا الاشتباك العقدي.
تقدّم أسفار العهد القديم، ولا سيما سفري الملوك، صورة لإلياس في سياق أزمة سياسية ودينية خلال عهد الملك آخاب وزوجته إيزابل، حيث يُروى أن السلطة الرسمية دعمت عبادة بعل. يظهر إلياس فجأة في السرد، بلا نسب ولا تمهيد، كشخصية كاريزمية منفردة، تخوض معركة استعادة التوحيد في مجتمع لم ينكر اسم الإله، لكنه خلطه بمعبودات أخرى.
تتضمن الرواية التوراتية أيضاً مشهد صعود إلياس إلى السماء في مركبة نارية، وهو تفصيل منحه مكانة استثنائية في المخيال اليهودي، حيث يُنظر إليه كشخصية لم تمت، بل رُفعت، وتنتظر لحظة عودة قبل اليوم الإلهي العظيم. في التقليد التلمودي والمدراشي، يتحول إلياس إلى شاهد خفي يظهر في الأزمنة الحرجة، يصحح الانحرافات ويتدخل في مظالم البشر.
إلياس في القرآن: تكثيف الرسالة وتحريرها من السرد الأسطوري
يؤكد وطنداش أن القرآن يعيد تقديم إلياس ضمن إطار مختلف، يركّز على جوهر الدعوة دون توسع سردي. ففي سورة الصافات يرد السؤال الحاسم: هل يُترك «أحسن الخالقين» ويُعبد «بعل»؟ كما يُذكر إلياس في سياق الأنبياء الصالحين في سورة الأنعام، في عداد زكريا ويحيى وعيسى.
القرآن لا يمنح تفاصيل زمنية أو معجزات مطوّلة، بل يختزل القصة في ثنائية التوحيد والانحراف. ويلاحظ وطنداش أن ترتيب اسم إلياس في سياق الأنبياء المصلحين يشير إلى وظيفة «الإحياء والتصحيح» لا «التأسيس التشريعي». فهؤلاء الأنبياء لم يأتوا بشرائع جديدة، بل أعادوا إحياء ما تآكل من جوهر الوحي.
من هذا المنظور، لا يُقرأ إلياس كشخصية تاريخية منقطعة، بل كحلقة في سلسلة تجدد دعوة التوحيد كلما ظهرت انحرافات داخل البنية الدينية ذاتها.
من بعل إلى بعلزبول: التحول في اللاهوت المسيحي
يشير وطنداش إلى أن التحول الأكبر طرأ في التقليد المسيحي، حيث اتسعت دلالة «بعل» لتندمج في منظومة شيطانية أوسع. ففي العهد الجديد يرد اسم «بعلزبول» بوصفه «رئيس الشياطين»، لكن اللاهوت الوسيط طوّر المفهوم ليصبح جزءاً من هرمية شيطانية منظمة.
مع انتشار المسيحية في العالم الروماني، فُسّرت الآلهة الوثنية على أنها تجليات شيطانية هدفها تضليل البشر. وهكذا انتقل «بعل» من كونه معبوداً وثنياً محدداً في سياق تاريخي، إلى رمز كوني للشر في المخيال المسيحي الوسيط.
أما في الرؤية القرآنية، فلا يتحول «بعل» إلى كيان ميتافيزيقي مستقل، بل يبقى نموذجاً لعبادة باطلة تجسد انحراف الإنسان حين يمنح السلطة المطلقة لغير الله. والشيطان في القرآن لا يتجسد في أسماء وثنية محددة، بل في آلية الإضلال وإعادة تعريف الباطل كحق.
جدلية الاستمرارية: هل تتكرر الأنماط؟
يرى وطنداش أن الربط بين اسم «بعل» في ملف إبستين وبين الصراع القديم مع إلياس لا ينبغي أن يُفهم على أنه إثبات لامتداد عبادة تاريخية بعينها، بل بوصفه تمثيلاً لنمط يتكرر: لحظات انكشاف أخلاقي تكشف هشاشة القيم المعلنة داخل دوائر النفوذ.
ففي النص القرآني، يُختم الحديث عن إلياس بعبارة تفيد بقاء الذكر الحسن في الأجيال اللاحقة، ما يعني أن أثر المواجهة يتجاوز الزمن. كما أن التقليد اليهودي الذي ينتظر عودة إلياس قبل اليوم العظيم يعكس تصوراً لاستمرارية التحذير الإلهي.
بهذا المعنى، تصبح عودة رمز «بعل» في سياق فضيحة حديثة دليلاً – في قراءة وطنداش – على أن الأسماء قد تتغير، لكن جوهر الصراع بين التوحيد وتقديس السلطة أو الشهوة أو القوة يظل ثابتاً عبر التاريخ.
بين الأسطورة والواقع
لا توجد أدلة قضائية تثبت وجود «عبادة بعل» معاصرة بالمعنى التاريخي. غير أن تداول الاسم في ملف شديد الحساسية يعكس – وفق التحليل الأكاديمي – ميل المجتمعات إلى تفسير الانحرافات الكبرى بلغة رمزية مستمدة من مخزونها الديني.
ويؤكد وطنداش أن أخطر ما في الأمر ليس الاسم ذاته، بل البنية التي تسمح بإنتاج شبكات نفوذ مغلقة تُمارس الهيمنة تحت غطاء اجتماعي أو ثقافي. في هذا السياق، يصبح «بعل» رمزاً لا لمعبود قديم، بل لفكرة تقديس غير مشروع للسلطة البشرية.
خلاصة
يرى أيدوغان وطنداش أن عودة اسم «بعل» في سياق فضيحة إبستين تعكس استدعاءً رمزياً لصراع قديم بين التوحيد والانحراف، لا دليلاً تاريخياً على استمرار عبادة بعينها. فالرموز تتبدل أشكالها، لكن معركة تصحيح المعنى واستعادة القيم تبقى – في نظره – ثابتة عبر الأزمنة.

