أعلنت ألمانيا عزمها الدفع باتجاه إعادة تحريك ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، في تحول لافت يأتي بعد أعوام من التجميد شبه الكامل للمفاوضات.
فقد أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي هاكان فيدان في برلين أن الوقت “قد حان لفتح فصل جديد”، في إشارة إلى استعداد بلاده لإحياء مسار ظل متوقفاً منذ عام 2018.
تركيا… مرشح دائم تواجهه معوقات هيكلية
كانت تركيا قد حصلت على وضع “الدولة المرشحة” عام 1999، وبدأت مفاوضات الانضمام رسمياً في منتصف العقد الأول من الألفية، في إطار عملية واسعة لملاءمة التشريعات والسياسات الوطنية مع معايير الاتحاد الأوروبي.
لكن المباحثات تعثرت لاحقاً بسبب تدهور أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية، إضافة إلى استمرار أزمة قبرص، ما دفع بروكسل إلى تجميد العديد من فصول التفاوض.
وفي ظل تصاعد التوترات بعد محاولة الانقلاب في 2016 والإجراءات السياسية اللاحقة، دخلت العلاقات الأوروبية ـ التركية مرحلة فتور عميق، انتهت إلى تعليق فعلي لمسار الانضمام منذ عام 2018، رغم بقاء تركيا رسمياً دولة مرشحة.
برلين: تركيا شريك محوري في بيئة جيوسياسية مضطربة
شدد الوزير الألماني على أن تركيا تمثل “شريكاً مركزياً” لأوروبا في عدد من الملفات الجيوسياسية الحساسة، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية والأوضاع في غزة. ورأت برلين أن تحسين العلاقات مع أنقرة بات ضرورة استراتيجية، ليس فقط لضبط التوترات الإقليمية، بل أيضاً لتعزيز التعاون داخل التحالفات الغربية في ظل التحديات المتزايدة.
ورغم الترحيب الألماني بإحياء المفاوضات، أكد فادفول أن معايير كوبنهاغن الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون تظل “ملزمة وغير قابلة للتفاوض”، وأن أي تقدم تركي نحو العضوية يجب أن يستند إلى الالتزام الفعلي بهذه المعايير.
تركيا تؤكد التزامها الأوروبي
من جانبه، أعاد وزير الخارجية التركي التأكيد على أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ما يزال “هدفاً استراتيجياً” لأنقرة، مشيراً إلى استعداد بلاده للامتثال الكامل لمعايير العضوية. وأضاف أن وجود شروط أوروبية “ليس مشكلة”، وأن على الدول المرشحة “اتباع القواعد”، داعياً بروكسل إلى إعادة فتح فصول التفاوض وتطبيع العلاقات السياسية.
وأشار فيدان إلى أن العملية متوقفة عملياً وأن الوقت قد حان لإعادة تشغيل المسار، مؤكداً أن أنقرة مستعدة لإظهار التزامها، شريطة أن يبادر الاتحاد الأوروبي إلى خطوات مقابلة.
خلفيات دبلوماسية… زيارات متبادلة وتغيير في المزاج الألماني
تأتي زيارة فيدان إلى برلين بدعوة رسمية من نظيره الألماني، وهي أول زيارة ثنائية له منذ توليه منصبه منتصف 2023. وكان قد زار ألمانيا في فبراير للمشاركة في مؤتمر ميونيخ الأمني، فيما استقبل فادفول في أنقرة خلال أكتوبر الماضي.
ويبدو أن الموقف الألماني الأخير جزء من توجه أوسع لدى برلين لتعميق العلاقات مع تركيا. ففي أكتوبر قام المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأول زيارة رسمية إلى أنقرة بعد توليه منصبه، حيث أكد رغبة بلاده في “استثمار الإمكانات الكبيرة” بين البلدين. واعتبر أن تركيا “مرتبطة بشكل وثيق” بالاتحاد الأوروبي، داعياً إلى مواصلة “تمهيد الطريق نحو أوروبا”، مع التذكير مجدداً بأن التزام معايير كوبنهاغن يظل شرطاً أساسياً لأي تقدم ملموس.
خطوط توازن جديدة في سياسة التوسّع
يأتي هذا التحول الألماني في وقت يعيد فيه الاتحاد الأوروبي تقييم سياسة التوسّع، في ظل حاجة متزايدة إلى تعزيز الاستقرار في محيطه الجنوبي والشرقي. ويمثل الملف التركي أحد أكثر الملفات تعقيداً، لكنه أيضاً من أكثرها تأثيراً في الأمن الأوروبي، سواء في قضايا الهجرة أو الطاقة أو التوازنات داخل الناتو.

