يواجه قطاع الذهب والمجوهرات في تركيا أخطر أزمة منذ عقود، مع تزايد التحذيرات من انهيار شامل يهدد آلاف الوظائف ومئات الشركات التي بدأت تنقل أنشطتها إلى الخارج. وتكشف الأزمة عن فسادٍ ممنهج وسوء استغلال لبرامج الحوافز الحكومية التي كان يفترض أن تعزز التصدير وتدعم الصناعة المحلية، لكنها تحولت إلى وسيلة للربح غير المشروع والإثراء السريع، ما دفع القطاع إلى حافة الانهيار.
صناعة مزدهرة تنهار بسبب استغلال الحوافز
أكد رئيس اتحاد مصنّعي ومصدّري المجوهرات في تركيا مصطفى كمار أن سنوات طويلة من النمو تعرضت للتدمير بسبب سوء استخدام بعض الشركات لبرامج الدعم الحكومي. وأوضح في مؤتمر صحفي عقده في مجمع كويومجوكنت في إسطنبول أن الورش الصغيرة والمتوسطة باتت تعمل بشكل متقطع أو جزئي خلال الشهر، في حين أُجبرت عشرات المصانع على الإغلاق أو نقل نشاطها إلى دول مثل الصين ودبي وماليزيا.
ووجّه كمار نداءً مباشراً إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محذرًا من أن القطاع عند نقطة الانهيار إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإيقاف النزيف.
جذور الأزمة: حوافز تحولت إلى قنوات تهريب وفساد
يرى خبراء القطاع أن الانهيار الحالي مرتبط بسوء استخدام برنامجين رئيسيين من برامج دعم الصادرات، هما نظام المعالجة الداخلية ومكافأة التحويل النقدي بنسبة ثلاثة في المئة التي يقدمها البنك المركزي التركي.
نظام المعالجة الداخلية (DIR)
يتيح هذا النظام للشركات استيراد المواد الخام كالذهب دون رسوم جمركية بشرط إعادة تصدير المنتجات النهائية. غير أن بعض الشركات انحرفت عن القواعد وقامت ببيع الذهب المستورد داخل السوق المحلية، ما منحها أرباحاً غير مشروعة وأضرّ بالمصدّرين الملتزمين بالقانون.
مكافأة التحويل النقدي
أما الإجراء الثاني فيمنح المصدّرين مكافأة مالية تعادل ثلاثة في المئة من قيمة العملة الأجنبية التي يتم تحويلها إلى الليرة التركية، بهدف دعم الاحتياطيات النقدية. لكن هذا النظام بدوره تحول إلى أداة لتزوير الصادرات، إذ ظهرت شركات وهمية تسجل عمليات تصدير غير حقيقية للحصول على المكافآت دون إنتاج فعلي.
وبحسب مراقبين، تزايدت هذه الممارسات بعد فرض قيود على استيراد الذهب في عام 2023، ما دفع البعض إلى استغلال الثغرات القانونية لتحقيق أرباح سريعة.
فضيحة مصفاة إسطنبول للذهب: نموذج للانحراف المنهجي
الأزمة تفجّرت أكثر بعد فتح تحقيق جنائي ضد مصفاة إسطنبول للذهب، إحدى أكبر المؤسسات في السوق. وتشير المعلومات إلى أن المصفاة وشركات تابعة لها أجرت صادرات وهمية واستفادت من إعفاءات جمركية ومكافآت نقدية عبر مستندات مزوّرة.
التحقيق يركز على ما إذا كانت تلك الشركات قد استفادت من واردات الذهب المعفاة من الضرائب، وحصلت في الوقت ذاته على مكافآت مالية من البنك المركزي من خلال بيانات تصدير مضللة. وتطابق هذه الاتهامات ما كان المصنّعون الشرعيون يحذرون منه منذ سنوات.
احتكار قلة من الشركات وتشويه السوق المحلية
أوضح مصطفى كمار أن الأزمة تتركز في يد عدد محدود من اللاعبين الكبار الذين يهيمنون على حركة التصدير. وقال: “انظروا إلى قائمة أكبر عشرة مصدّرين للمجوهرات في تركيا؛ ثلاثة فقط منهم يقومون بتصدير حقيقي، بينما الآخرون يكتفون بتحريك الذهب ذهابًا وإيابًا.”
وأكد أن هذا السلوك يضحّي بمستقبل القطاع بأكمله لصالح حفنة من الأفراد، مشيرًا إلى أن التلاعب تسبب في تشويه الأسعار داخل السوق المحلية.
وبحسبه، بلغ سعر كيلو الذهب في السوق العالمية نحو 130 ألف دولار، بينما يُباع في السوق التركية بحوالي140 ألف دولار، ما يدفع السائحين إلى الاعتقاد بإمكانية تحقيق ربح فوري عند بيع الذهب داخل تركيا، وهو أمر ينعكس سلبًا على مصداقية السوق ويزيد من اضطراب الأسعار.
دعوات للإصلاح وإنقاذ ما تبقى من الصناعة
طالب اتحاد مصنّعي ومصدّري المجوهرات الحكومة التركية باتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة لإنقاذ القطاع، أبرزها رفع قيود استيراد الذهب المفروضة منذ عام 2023 وإعادة القواعد التجارية إلى ما كانت عليه سابقاً، وإقرار عفو ضريبي لمرة واحدة على المخزونات الموجودة في السوق لتصحيح الميزانيات، وتشديد الرقابة على الشركات المتورطة في استغلال الحوافز، وفرض نظام محاسبة يعتمد على تقييمات الذهب لمواكبة التضخم الفعلي في السوق.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه الإجراءات، إذا لم تُنفذ بسرعة، قد لا تكفي لاحتواء الانهيار، خاصة في ظل تراجع ثقة المستثمرين الأجانب وازدياد توجه المصانع إلى نقل نشاطها للخارج بحثًا عن بيئة تجارية أكثر استقرارًا.
السياق العام: الاقتصاد التركي بين التضخم والتهريب
تأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي من تضخم مرتفع وتدهور مستمر في قيمة الليرة، ما جعل الذهب ملاذًا رئيسيًا للأفراد والشركات. ومع تشديد الرقابة على وارداته، ازدهرت السوق الموازية وظهرت شبكات غير رسمية تتعامل في الذهب بعيداً عن الإطار القانوني، ما فاقم أزمة القطاع الرسمي وزاد من هشاشته.

