في مؤتمر نظمته منظمة اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة يوم الأربعاء 3 مايو 2025 في مركز بوزار للفنون الجميلة في بروكسل، ناقش مسؤولون حكوميون وخبراء إعلام وتقنية وأكاديميون من حول العالم الآثار المتسارعة للذكاء الاصطناعي على الصحافة وحرية التعبير.
حمل المؤتمر عنوانًا مستوحًى من رواية “عالم جديد شجاع” لألدوس هكسلي، وجاء بعنوان: “الصحافة في عالم جريء جديد: تأثير الذكاء الاصطناعي على حرية الصحافة والإعلام”.
تحذير من انهيار القيم الصحفية في عصر الذكاء الاصطناعي
افتتحت المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، الفعالية بتحذير شديد من مخاطر الأنظمة الذكية غير المنظمة، قائلة: “المعلومة يجب أن تظل خيرًا عامًا. الصحافة المبنية على القيم المهنية والحُكم البشري لا يمكن أن تُستبدل بالخوارزميات”.
وشددت أزولاي على ثلاث أولويات رئيسية لمواجهة التحديات:
- ضمان الاستدامة الاقتصادية للإعلام المستقل.
- تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور وصنّاع المحتوى.
- فرض الشفافية على المنصات الرقمية التي توزع الأخبار.
كما أثارت مسألة إعادة استخدام محتوى الصحافة في تدريب النماذج اللغوية الضخمة بدون تعويض مالي للناشرين.
مسؤولو بلجيكا: الصحافة خط الدفاع الأول ضد التضليل
أكد روب بيندرس، وزير حماية المستهلك البلجيكي، أن الصحفيين ووسائل الإعلام المستقلة “ضروريون لمحاربة المعلومات المضللة والصور النمطية الضارة”، مشيرًا إلى تصاعد مخاطر الرقابة الرقمية والتلاعب بالخوارزميات.
من جانبها، شددت سيلتشه فان آختَر، وزيرة الإعلام في إقليم فلاندرز، على أن الصحافة البشرية لا تزال ضرورية رغم تطور الذكاء الاصطناعي، داعية المؤسسات الإعلامية العامة إلى وضع معايير واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتوسيم المحتوى المُنتَج آليًا بوضوح.
ورحّبت الوزيرة بإقرار قانون حرية الإعلام الأوروبي بوصفه “علامة فارقة لحماية الصحافة المستقلة في الاتحاد الأوروبي”.
بنجيو: الذكاء الاصطناعي يسبقنا ويهددنا
كان من بين أبرز المتحدثين البروفيسور يوشوا بنجيو، أحد رواد الذكاء الاصطناعي، الذي حذر عبر رسالة مصورة من أن وتيرة تطور هذه التقنية أسرع بكثير من التوقعات، مضيفًا: “إذا لم تُفرض الضوابط، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تصبح أدوات لتضخيم الهجمات السيبرانية، ونشر الدعاية والمعلومات المضللة، واستهداف الأفراد بحملات إقناع شخصية”.
ودعا بنجيو الصحفيين إلى القيام بدور رقابي حاسم على الشركات والحكومات المطوّرة لهذه الأنظمة.
الاتحاد الأوروبي: لا تسامح مع قتل الصحفيين
قالت هينا فيركونن، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يبقى “حصنًا لحرية الصحافة في عالم متزايد الخطورة”.
وأشارت إلى مقتل 124 صحفيًا في عام 2024، بينهم 82 في غزة، مؤكدة أنه “لا تسامح مع إفلات الجناة من العقاب”، كما دعت لمواجهة الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضد الصحفيين وتقليل العنف الرقمي.
الصحفيون وصنّاع المحتوى: خطوط التماس تتداخل
في جلسة نقاشية جمعت بين الصحفي الكولومبي خايمي أبيلو بانفي وصانعة المحتوى النيجيرية توبي آيني، تم بحث الحدود المتشابكة بين الصحافة وصناعة المحتوى الرقمي.
قالت آيني: “صنّاع المحتوى اليوم هم رواة قصص، لكن الصحافة تبقى مصدر الحقيقة. أفضل صانع محتوى هو من يستشهد بالصحفيين”.
ورحبت بمبادرة اليونسكو لتدريب المؤثرين، التي وصلت إلى 10 آلاف صانع محتوى في 165 دولة.
صحفيات تحت الخطر: الذكاء الاصطناعي يضخّم التمييز
حذرت غليدا دانيلز، الأستاذة في جامعة ويتواترسراند (جنوب أفريقيا)، من أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز أنماط العنف القائم على النوع الاجتماعي والتحرش الرقمي ضد الصحفيات.
واعتبرت “أننا دخلنا مرحلة التمييز الجنسي الرقمي على نطاق واسع”، داعية إلى أدوات لرصد الانحياز ومعايير أخلاقية ملزمة.
مواقف من البرازيل وقطاع التكنولوجيا
من البرازيل، تحدثت نينا سانتوس، نائبة وزير الاتصال، عن قانون مقترح يشترط الشفافية في تدريب النماذج، وحماية بيانات المستخدمين، ودفع تعويض مالي للمبدعين.
في المقابل، دافعت شركات مثل مايكروسوفت عن التزامها بتطوير أدوات ذكاء اصطناعي مسؤولة، مشيرة إلى مشاركتها في تحالف توثيق ومصدرية المحتوى الرقمي (C2PA).
من جانبها، قالت ريبيكا ماكينون، نائبة رئيس مؤسسة ويكيميديا، إن التمييز في التنظيم مطلوب، لأن “ويكيبيديا ليست مثل عمالقة التكنولوجيا التجارية”، مشيدة بدور المنصة في الحفاظ على العدالة المعرفية.
توصيات وختام: صحافة مسؤولة في مواجهة عصر غير مسبوق
طالب المشاركون بتعاون دولي أوسع لوضع معايير أخلاقية وتقنية للذكاء الاصطناعي، ودعم مستدام لوسائل الإعلام المستقلة، في ظل تحديات شاملة تشمل البنية التحتية للبيانات، وتراخيص المحتوى، والانحياز الخوارزمي، والأمان الرقمي.
وفي ختام المؤتمر، أعلنت اليونسكو منح جائزة غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة 2025 لصحيفة “لا برينسا” النيكاراغوية، تقديرًا لشجاعتها في التغطية تحت القمع.

