شهد عام 2025 تقدّم القادمين من تركيا إلى صدارة قوائم لمّ الشمل العائلي في ألمانيا، بعدما منحت السلطات الألمانية حتى نهاية تشرين الثاني أكثر من مئة ألف تأشيرة ضمن هذا المسار. وكان النصيب الأكبر من هذه التأشيرات لأفراد قادمين من تركيا، متقدمين على السوريين وبفارق ملحوظ، فيما جاءت الهند وكوسوفو وألبانيا ضمن الدول الأكثر حضورًا في هذه القوائم.
هذا الترتيب يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الهجرة التركية إلى ألمانيا، حيث لم تعد مقتصرة على اللجوء أو الهجرة الفردية، بل بات لمّ الشمل العائلي قناة رئيسية لاستقرار آلاف الأسر التركية داخل البلاد.
ما بعد 2016: السياسة والقضاء في خلفية الأرقام
منذ محاولة الانقلاب الغامضة في تركيا وما تبعها من حملة واسعة على المعارضة وتراجع استقلال القضاء، تسارع توجه الأتراك نحو دول أوروبا الغربية، وعلى رأسها ألمانيا. وقد ترافق ذلك مع ارتفاع ملحوظ في طلبات اللجوء ثم لاحقًا في طلبات لمّ الشمل، مع استقرار جزء من هؤلاء في ألمانيا وبدء جلب عائلاتهم.
هذا المسار يعكس أن موجة الهجرة لم تعد ظرفية، بل تحوّلت إلى ظاهرة ممتدة ذات أبعاد سياسية وقانونية واضحة.
أزمات الداخل تدفع الشباب إلى الخارج
إلى جانب العوامل السياسية، لعبت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في تركيا دورًا محوريًا في تسريع الهجرة، في ظل تضخم مرتفع وتدهور مستمر في قيمة الليرة واتساع الفجوة الاجتماعية. هذه الظروف دفعت شريحة واسعة من الشباب والأسر إلى البحث عن الاستقرار وفرص الحياة في أوروبا، خصوصًا في ألمانيا التي تضم أكبر جالية تركية في العالم بنحو ثلاثة ملايين شخص.
كما أن إعادة انتخاب رجب طيب أردوغان في 2023 مثّلت نقطة إحباط إضافية للمعارضة، وأعادت طرح خيار الهجرة لدى كثيرين بوصفه مخرجًا طويل الأمد.
ألمانيا وجهة مركزية للهجرة التركية
خلال الفترة بين 2022 و2024، انتقل أكثر من مئة ألف مواطن تركي إلى ألمانيا، لتصبح تركيا ثالث أكبر بلد مصدر للهجرة خلال تلك السنوات، بعد أوكرانيا وسوريا. هذا التصاعد رسّخ موقع ألمانيا كوجهة أولى للأتراك، سواء لأسباب سياسية أو اقتصادية أو عائلية.
وفي عام 2025، توزعت تأشيرات لمّ الشمل بين عشرات الآلاف من الأزواج، وعدد كبير من الأطفال الذين التحقوا بذويهم، إضافة إلى آلاف الآباء الذين أُجيز لهم الالتحاق بأبنائهم، فضلًا عن تأشيرات خُصصت لأزواج مواطنين ألمان.
تغيّر السياسات الألمانية وضغط الأرقام
رغم استمرار منح تأشيرات لمّ الشمل، فإن ألمانيا سجّلت تراجعًا عامًا في أعدادها مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء هذا الانخفاض متزامنًا مع قرار حكومي بتعليق لمّ الشمل لمدة عامين لحاملي الحماية الثانوية، وهو إجراء أثّر بشكل خاص على اللاجئين السوريين.
وبموجب القواعد الجديدة، أصبح لمّ الشمل مسموحًا فقط في الحالات الإنسانية الاستثنائية، بعد أن كان يُسمح سابقًا بدخول آلاف أفراد العائلات شهريًا. هذا التغيير أعاد رسم خريطة الهجرة العائلية، وفتح المجال أمام الجنسيات التي لا تخضع لهذا القيد، وعلى رأسها تركيا.
دلالات أبعد من الأرقام
تُظهر معطيات عام 2025 أن لمّ الشمل لم يعد مجرد إجراء إداري، بل مؤشرًا سياسيًا واجتماعيًا على تحولات عميقة داخل تركيا، وعلى قدرة ألمانيا في الوقت ذاته على استيعاب موجات بشرية متجددة ضمن أطر قانونية متغيرة.
الهجرة التركية، بأشكالها المختلفة، باتت تعكس بحثًا جماعيًا عن الأمان القانوني والاستقرار المعيشي، أكثر مما تعكس حركة تنقل تقليدية.

