تقرير: ياوز أجار
لم تعد المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في الضربات العسكرية المباشرة، بل تحولت تدريجياً إلى صراع متعدد الأدوات يجمع بين العمليات العسكرية، والضغط السياسي الداخلي، والحرب المعلوماتية، إلى جانب صراع اقتصادي غير معلن يتعلق بالتحكم في مسارات الطاقة.
هذا التحول يعكس مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي، حيث تسعى واشنطن إلى توسيع أدوات التأثير على طهران دون الانزلاق سريعاً إلى حرب إقليمية مفتوحة، بينما تحاول إيران امتصاص الضربات والحفاظ على تماسكها الداخلي في مواجهة الضغوط المتزايدة. وفي قلب هذه المعادلة تتشكل ثلاث جبهات متوازية: جبهة عسكرية مباشرة، وجبهة ضغط داخلي عبر الأقليات القومية، وجبهة اقتصادية غير معلنة تتعلق بالتحكم في صادرات النفط الإيراني، خصوصاً المتجهة إلى الصين.
معركة الظل على النفط الإيراني
الطاقة بوصفها أداة نفوذ جيوسياسي
إلى جانب المواجهة العسكرية، تعمل واشنطن على تعزيز نفوذها في ملف الطاقة المرتبط بإيران، وخاصة النفط المتجه إلى السوق الصينية. فإيران تمكنت خلال السنوات الماضية من الالتفاف على العقوبات عبر شبكات معقدة من الوسطاء وعمليات الشحن غير المباشر، ما سمح لها بالحفاظ على تدفقات نفطية كبيرة إلى آسيا.
غير أن التوجه الأميركي الحالي يبدو أكثر تركيزاً على السيطرة على هذه المسارات، سواء عبر تشديد الرقابة البحرية أو الضغط على شبكات النقل والتأمين، بهدف امتلاك الكلمة العليا في حركة النفط الإيراني. ويمنح هذا المسار الولايات المتحدة ورقة ضغط إضافية ليس فقط على طهران، بل أيضاً على بكين التي تعتمد بدرجة متزايدة على النفط الإيراني منخفض السعر.
في هذا السياق، يتقاطع الصراع الأميركي–الإيراني مع التنافس الاستراتيجي الأوسع بين الولايات المتحدة والصين، حيث تصبح صادرات النفط الإيرانية جزءاً من معادلة النفوذ العالمي في سوق الطاقة.
ورقة الأقليات: رهان على الضغط من الداخل
مشاورات مع جماعات كردية إيرانية
في موازاة الضغط العسكري والاقتصادي، برزت خلال الأيام الأخيرة معطيات تشير إلى مشاورات بين مسؤولين أميركيين وجماعات كردية إيرانية مسلحة حول احتمال تنفيذ هجوم بري داخل غرب إيران.
تتمركز هذه الجماعات في إقليم كردستان العراق، وهو كيان يتمتع بحكم شبه ذاتي داخل العراق، وقد خضع عدد من مقاتليها خلال الفترة الماضية لتدريبات مكثفة استعداداً لسيناريوهات توغل عبر الحدود الإيرانية.
وخلال هذه المشاورات جرى بحث عدة عناصر أساسية، من بينها جدوى تنفيذ عملية عسكرية ضد قوات الأمن الإيرانية، وتوقيت التحرك المحتمل، إضافة إلى طبيعة الدعم الذي قد تحتاجه تلك الجماعات في حال اتخاذ قرار بالمضي في هذا المسار.
حتى الآن لا يبدو أن قراراً نهائياً قد اتخذ، إذ لا تزال هذه المشاورات في إطار تقييم الخيارات السياسية والعسكرية.
الهدف العملياتي للتحرك المحتمل
الفكرة الأساسية خلف هذا السيناريو تقوم على خلق ضغط ميداني داخل إيران يتزامن مع الضربات الأميركية–الإسرائيلية، بحيث يؤدي إلى إضعاف قبضة الأجهزة الأمنية في المناطق الغربية وفتح المجال أمام اضطرابات أوسع داخل البلاد.
ويعتمد هذا التصور على فرضية أن تعدد الجبهات قد يشتت قدرات الدولة الإيرانية، ويجعلها مضطرة إلى توزيع قواتها بين عدة مناطق، وهو ما قد يقلل من فعاليتها في مواجهة الضربات الخارجية.
غير أن نجاح مثل هذا السيناريو يظل مرتبطاً بمدى قابلية البيئة الداخلية الإيرانية للتفاعل مع أي تحرك مسلح، وهو عامل يصعب تقديره بدقة.
الجذور التاريخية للتوتر الكردي في إيران
ملف قديم في معادلة الدولة الإيرانية
يشكل الأكراد أحد أبرز المكونات القومية داخل إيران، ويتمركزون في مناطق جبلية حساسة على الحدود مع العراق وتركيا. وقد شهدت العلاقة بينهم وبين السلطة المركزية في طهران فترات طويلة من التوتر منذ منتصف القرن الماضي.
اندلعت في تلك المناطق مواجهات مسلحة متقطعة بين القوات الإيرانية وجماعات كردية تطالب بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي أو الحقوق الثقافية والسياسية. وعلى الرغم من أن هذه المواجهات لم تتحول إلى صراع واسع النطاق داخل إيران، فإنها بقيت ملفاً حساساً في السياسة الداخلية الإيرانية.
لهذا السبب يُنظر إلى الورقة الكردية باعتبارها أحد أبرز أدوات الضغط المحتملة على طهران، خاصة في سياق الصراعات الإقليمية.
التحديات العسكرية لأي عملية داخل إيران
موازين القوة الميدانية
رغم امتلاك بعض المقاتلين الأكراد خبرات قتالية نتيجة مشاركتهم في مواجهات سابقة مع القوات الإيرانية، فإن تنفيذ عملية منظمة داخل الأراضي الإيرانية يظل مهمة معقدة.
فالقوات النظامية الإيرانية تمتلك انتشاراً واسعاً في المناطق الحدودية، إضافة إلى بنية قيادة عسكرية متماسكة وخبرة طويلة في احتواء التمردات المحلية.
كما أن أي عملية من هذا النوع تحتاج إلى منظومة دعم لوجستي واستخباراتي واسعة تشمل معلومات دقيقة عن مواقع القوات الإيرانية، وتأمين طرق الإمداد، وربما توفير دعم تقني أو جوي غير مباشر.
البنية العسكرية الأميركية في شمال العراق
في هذا الإطار، يشير بعض المسؤولين العسكريين إلى أن القواعد الأميركية في مدينة أربيل سبق أن لعبت دوراً محورياً في دعم عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.
هذا الواقع يعني وجود بنية تحتية عسكرية واستخباراتية يمكن الاستفادة منها في حال صدور قرار سياسي واضح بتوسيع نطاق العمليات ضد إيران.
الرهان على التفاعل الداخلي
نجاح أي تحرك مسلح داخل إيران لا يعتمد فقط على القدرة العسكرية للجماعات المنفذة، بل يرتبط أيضاً بمدى استعداد البيئة الداخلية للتفاعل معه.
الرهان الأساسي في هذا السيناريو يتمثل في إمكانية أن يؤدي الضغط العسكري المحلي إلى تحفيز حراك سياسي أو احتجاجي أوسع داخل المدن الإيرانية. غير أن هذا الاحتمال يبقى غير مضمون، خاصة في ظل القبضة الأمنية الصارمة التي تفرضها الدولة الإيرانية.
كما أن أي هجوم مسلح قد يمنح السلطات الإيرانية فرصة لتعزيز خطابها القائم على مواجهة “التدخل الخارجي”، وهو خطاب قد يؤدي إلى تعبئة قطاعات من المجتمع خلف الدولة بدلاً من إضعافها.
ارتدادات إقليمية معقدة
معضلة حكومة إقليم كردستان
أي عملية عسكرية تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه إيران ستضع حكومة إقليم كردستان أمام تحدٍ سياسي وأمني بالغ الحساسية.
فالإقليم يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت ذاته يعتمد على علاقات اقتصادية وأمنية مهمة مع إيران، ما يجعله حريصاً على تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة معها.
أما الحكومة الاتحادية في بغداد فقد تجد نفسها أمام أزمة سياسية داخلية إذا انطلقت عمليات عبر الحدود دون تنسيق رسمي، خصوصاً في ظل التوازنات المعقدة بين القوى السياسية العراقية.
القلق الإقليمي من تداعيات الملف الكردي
التحركات الكردية داخل إيران لا تُقرأ في طهران وحدها، بل تثير أيضاً حساسية لدى دول أخرى في المنطقة.
فتركيا تنظر بقلق إلى أي نشاط مسلح كردي قريب من حدودها، نظراً لما قد يحمله ذلك من تأثيرات على ملفها الداخلي. كما تتابع باكستان التطورات من زاوية انعكاساتها المحتملة على إقليم بلوشستان الذي يشهد بدوره توترات عرقية مزمنة.
وفي حال تحولت الجبهة الكردية داخل إيران إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فقد يؤدي ذلك إلى تفاعلات قومية في مناطق أخرى تضم أقليات مختلفة، وهو ما قد يرفع منسوب التوتر الأمني في المنطقة بأكملها.
مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي
المشهد العام يوحي بأن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تتجه نحو نموذج أكثر تعقيداً من الصراعات التقليدية. فبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة وحدها، يجري توظيف مزيج من الأدوات يشمل الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي والإعلامي في آن واحد.
هذا النمط من الصراع يعكس طبيعة الحروب الحديثة التي تسعى فيها القوى الكبرى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية عبر إدارة التوازنات والضغوط متعددة المستويات بدلاً من الدخول في حروب شاملة مكلفة.
وبينما لا تزال العديد من السيناريوهات قيد التقييم، فإن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق حسابات دقيقة تتعلق بقدرة كل طرف على إدارة هذه الأدوات دون أن تتجاوز المواجهة عتبة الانفجار الإقليمي الواسع.
خلاصة
تتجه المواجهة الأميركية–الإيرانية نحو صراع مركب يجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي وتوظيف التوازنات الداخلية. غير أن توسيع أدوات الصراع يرفع في الوقت ذاته احتمالات الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة في الشرق الأوسط.

